رؤيتنا في ضرورة حسم القراءة الحضارية للإسلام

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , هويتنا وانحيازاتنا النهضوية


رؤيتنا في ضرورة حسم القراءة الحضارية للإسلام ..

إننا نرى أنّ أشد ما هو مطلوب منا اليوم أن نقف موقفَ جزمٍ قاطع ما بين قراءتين للإسلام، بَدَتَا في مطالع النهوض كما لو أنّ أولاهما قراءة الراسخ المؤسس، وظهرت الثانية بمظهر المعيق المدمّر، لنقول بقطع: أنّ هاتين القراءتين اللتين أشرف عليهما عصر النهضة -وهما قراءتان قديمتان جداً في التعاطي مع الإسلام- إنّما هما قراءتان تقضي ضرورة الظرف القائم وتقضي تجربة النهوض، وتجربة التاريخ العربي الإسلامي الطويل بعدم إمكانيّة تعايشهما معاً، وأنّه إذا كان معامل التفرقة القديم، في مجال النظر العقلي ومدى سعته، هو بين أصحاب العقل وأصحاب النصّ، وإذا كانت النظرة الملازمة لهذا العامل هي دوماً في محاولة التوفيق النظري للخروج بنظرة يتقارب فيها العقل والنقل؟! فعامل تفرقة اليوم ينبغي أن يكون جازماً وحاسما بين العقلاء وبين المجانين، ونحن لا نقبل أبداً أن يكون مصطلح "المجانين" مرادفاً أو دالّاً على "النص" فالنصّ خطاب للعقلاء فقط. وحتّى يكون طرحنا واضحاً فإنّ ضابط العقل عندنا هو ما كان عليه الآباء المؤسسون للنهضة.

ونعتقد بيقين أنّ نظرة الآباء للإسلام إنّما تأسست على نظرة الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم الذين توافقوا مع كافّة معطيات التطور والتزموا إعمال العقل، والمنطق، بل إلى تحكيمهما والاستناد إليهما، ألم يجمعوا القرآن تحت دعوى أنّه "هو والله خير"؟([1]) أي: أنّ المصلحة وقواعد المنطق قاضية بهذا الجمع؟ ألم يقاتلوا مانعي الزكاة تأسيساً على "شرح صدر الصديق2])" أيّ أنّ جملة ما توفر من معطيات قاضية بدعم القرار الذي اطمأنّ إليه واتخذه؟

إنّ الغالبية من المسلمين -وبفعل الخطاب غير المؤهل للنخبة الدينية منذ بدأت عصور الانحطاط- لا يفهمون الإسلام ولا يتعاطون معه إلا على قاعدة أنّه قانون يلزم على المؤمنين الانصياع إلى بنوده وتطبيقه بحذافيره الدقيقة، ولا يعتبرون التدين إلّا ذلك النوع من التسليم بالأوامر والامتناع عن النواهي، والالتزام بحكم الشريعة. وعلى هذا لا يصبح الإسلام رسالة يجب على المؤمنين بها استلهام الوحي من معانيها العامة، وإنما منظومة من الأوامر والنواهي على المخاطبين بها تنفيذها وحسب، وعليه فلم يعد محلّ اهتمام النخبة مسألة حسن وسوء فهم الدين، بقدر ما عاد المطروح مسألة ما إذا كنت مقصّراً في أداء الواجب من عدمه؟ وهو ما أتاح للرسوم والشكليات أن تأخذ مكانها مزيحة العقل والروح من حسابات التديّن؟ وهو ارتداد -لا شك- إلى ما قبل الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟

إنّ الإنجاز الأكبر لآباء النهضة هو إعادة الفاعليّة للقراءة الأصيلة للدين، واعتماد منظومة فكريّة مضادة لهذا الفهم الذي يواجه الإسلام ويلغيه من التاريخ بالكامل، إنّ أخطر سمات الإسلام الذي آمن به الآباء، وكانت الدعوة إليه والتركيز عليه، سمة الدين الثائر المحرِّر، في مواجهة فكرة "الدين" –وما هو بدين- المستعبِد المستذِل، الذي لا كبير فرق في تصوّرات الداعين إليه بين "الإله" وبين أيّ متكبر أرضي لا يريد من محكوميه غير الطاعة العمياء. لقد ركز أصحاب القراءة الفاسدة للدين على معنى الاستسلام مُغْفِلين -عن عمد أو جهل- معنى السلام، الذي لا يمكن للإنسان أن يحياه وهو يحيا حياة الفصام بين عقله الذي هو المكوّن الأساس لذاته، والمعلل الأساس لوجوده ولدوره على الأرض، وبين جهد دائب من أجل طمس هذا العقل؟ ولئن كان تأويل الآية: "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون" معناه أنّه ليس مطلوباً من الإنسان سوى أن يكون محض التعبد، أي أن يُحدث الطاعة للمعبود فيما أمر به إيماناً وإسلاماً من دون الحاجة إلى سند عقليّ، ولا التوقف في تنفيذ هذه الطاعة على إدراك العلل، فلعمري لم كرّم الله الإنسان بالعقل، ولم امتلأت آيات كتابه بمطالبة هذا الأخير بإعمال هذه اللطيفة واتباع هداها؟ لقد احتج الملائكة على خلق الإنسان بأنّهم أكثر منه إسلاماً، وعبادة، وطاعة -وهم في كلّ ذلك محقّون- فحاجّهم الله تعالى بعلم الإنسان –عقله-. وقد ذكر الله في كتابه العزيز تلك الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها. فهل أبَيْن حمل الطاعة والاستسلام وهن لا يفعلن سواها؟ هذا لون من القراءة ينبغي حسمه، وإلا فلن نخلص من أزمتنا بحال.

2) حسم التوجّه

أوجدت حالة التطرّف والتطرّف المضاد من قبل الناهضين والتقليديين حالة غريبة تمثّلت في بروز تيارات أخذت على عاتقها مهمّة الدفاع عن الصلاحية السياسيّة والحضاريّة للإسلام، ولأسباب كثيرة وقع عبء هذا الدفا

المزيد


النهوض العربي الرائد..والتعويل على مسألة الإصلاح الديني

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , هويتنا وانحيازاتنا النهضوية

النهوض العربي الرائد..والتعويل على مسألة الإصلاح الديني

 

الفرق الجامع المانع بين الإصلاح الديني الذي قصد إليه آباء النهوض وبين ذلك الذي دعا إليه "مارتن لوثر" هو ذلك الفرق القائم والمعروف بين طبيعة كلّ من الدين والمؤسسة الدينية في كلّ من العالمين الإسلامي والغربي، ومن دون تفاصيل فإنّ طبيعة كلا الشأنين عندنا كما وطبيعة التكوين الفكري الديني لدى المجتمع الإسلامي الذي لا يعترف بالكهانة (وجود وسيط بين الله وبين خلقه) لم تكن لتسمح ببروز حالة كنسيّة عندنا كتلك التي ظهرت في أوربا ما قبل النهضة، وإن كانت سمحت بفعل القهر والاستبداد السياسي والتخلّف الحضاري إلى أن تجد المؤسسة السياسيّة الحاكمة (ذات الطابع العسكريّ) عندنا سبيلاً للتوصّل إلى لون من استغلال المؤسستين الدينية والأكاديمية أو الضغط عليهما إن بالسيف أو الذهب باتجاه عدم اعتماد بحوث وإرشادات ومناهج نظر تؤثر اجتماعيّاً وفكريّاً على الأوضاع السياسيّة القائمة، ومن ضمن ذلك الدفع باتجاه شغل النّاس بالفروع والأحكام القانونية للدين على أبسط أفعالهم، بدلاً من انشغالهم بمحاسبة الحكّام عن فظائعهم؟

وقد بدا في أوائل النهوض أنّ أصحاب نظرة الأصالة الإسلامية من آباء النهوض وقد تبنّوا الكثير من الطروحات المعاصرة حول الديمقراطية، وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والدستورية، وغيرها من الطروحات المتداخلة مع مفاهيم المجتمع المدني والحريات السياسية العامة واعتبروا أنها لا تتعارض مع أساسيات الدين، إنّما كانوا يعيدون قراءة النصوص الدينية (القرآن-السنّة) بالطريقة "العُمريّة" لا بطريقة عصور الانحطاط الحضاري.

طبيعيّ أنّ أصحاب هذا الاتجاه لم يكونوا ليستطيعوا الحصول على دعم كبير من المدرسة التقليدية التي كانت تتأسس مفهوماتها على قواعد النظر التي كانت تركّز على موضوع الواجبات الدينية على الإنسان، فيما كان هذا الاتجاه يركز على موضوع الحقوق والمنافع الأساسية المترتبة للإنسان بواقع الوجود في هذه الحياة، وأنّ تفسير الدين إنّما ينبغي أن يكون باعتبارات حقوق الإنسان لا باعتبارات حقوق الله، إذ في الحقيقة أنّه لا يمكن وضع هذه في قبالة تلك، كما أنّ من غير الجائز اعتبار أنّ الإرشادات الدينية التي لَفَت الله الإنسان إليها بما فيها تلك المسائل التي تمّ التعارف عليها باعتبارها تكليفات أو عبادات لا يمكن أن تقرأ على قاعدة الجبر والإلزام بقدر ما ينبغي أن تُقرأ على قاعدة الإرشاد الذي روعيت فيه منافع الإنسان ومصالحه بالأصالة، فليس هناك تكليف لا علّة له، كما أنّه لا تكليف معلّل بغير المصلحة الإنسانيّة التي لا يسوغ ابتداع مصلحة لله في قبالتها! وقد كان الأفغاني يلفت إلى أن:" أعمال الإنسان ليست في خدمة الله وحسب، بل في خلق مدنية إنسانية مزدهرة في كل نواحي الحياة". وقد كان الإسلام برأي الأفغاني إيمانٌ عاقل، جوهره العقلانية الحديثة"

والواقع أنّ دعاة النهوض بهذا الإطار كانوا يقتربون كثيراً من الطروحات السياسية والعلميّة الغربية المنادية بسيادة المنهج العلمي، وبحقوق الإنسان، واعتبار ذلك نقطة مركزية ينبغي أن تتمحور حولها النظم والتشريعات في الاجتماع السياسي الحديث ذي الطابع الديمقراطي، وما لبثت هذه الدعاية أن انتشرت خارج سياق قلب العالم الإسلامي(مصر)، فقد امتدت إلى غيرها من الأقطار العربية، كما كما آمن ب

المزيد


النهوض العربي الرائد.. والحضور الكبير للمعضل السياسيّ

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , هويتنا وانحيازاتنا النهضوية

النهوض العربي الرائد.. والحضور الكبير للمعضل السياسيّ

نحواً من قرنين ونحن نعالج في شرقنا العربي المسلم ما تمّ الاصطلاح على تسميته بالنهضة المعاصرة، والحقّ أنّ ما نراه اليوم في الواقع الذي يعيشه العرب والمسلمون في كل مستويات حياتهم يبين أنّ هناك شيئاً ما نقل هذه المسيرة إلى حيث لم تكن حقيقية، وأنّ هناك ما شغل هذه المنطقة عن نهضة حقيقيّة كان عليها أن تنطلق من مقدمات الآباء المؤسسين، وأن تتجه وجهة جدّ مختلفة عن ما نراه اليوم.

الملاحظ لبدايات مرحلة الاستيقاظ أو النهوض يجد أنّها تمتعت برسوخٍ شاملٍ واستعدادٍ جامعٍ لدى الرواد الأوائل الذين لم يجدوا مشكلة حقيقيّة في استقبال طرح الآخر الحضاري وإحداث انسجام بينه وبين الأسس الفكريّة والثقافيّة التراثيّة لحضارتهم المسلمة، فبدت تلك الجديلة بين القديم والحديث، بين الموروث، والمستقدَم، أمراً جديراً بالتقدير عبر تلك الطريقة الناجعة والفريدة التي قادها الآباء المجددون: الطهطاوي والأفغاني وعبده ومن عاصرهم.

واضح أنّ المستقدَم الحضاري الذي رغب الآباء في استقدامه من الغرب كان متمثّلاً بالأساس في إعجابهم بالنموذج السياسي للحركة الحضاريّة الغربيّة التي كانت التجربة الديمقراطيّة قد بدأت تترسّخ فيها على نحو ظاهر، كما أنّ متحصلات النهوض التقني والعلمي كانت قد آتت أكلها عندها على النحو المعروف.

لا شكّ أنّ مظاهر النهوض الحضاري الغربي علميّاً وتقنيّاً وسياسيّاً قد حازت على أعجاب الآباء المؤسسين، كما لا يعزب أن تكون منظومة القيم التي أفرزت هذا النموذج قد لفتت هي الأخرى انتباه آباء النهضة، وحظيت على إعجابهم، وهو لا شكّ إعجاب مستَحقّ مع معلوميّة أنّ الآباء كانوا جديرين بمعرفة ما يتلاءم من هذه القيم مع الهويّة الوطنيّة وما لا يتلاءم معها، وعليه رجحوا قيم الثقافة الديمقراطيّة، ورحّبوا بها، واعتبروا أنّها متلاقية مع قيم الإسلام السياسيّة.

أخذت المسألة السياسيّة إذن واجهة الصدارة في الجهد النهضوي العربي، كما أخذت الجانب الأبرز من إحداث العصف الذهني والحركي؛ وهو أمر متفهَّم نظراً لما مثلته المسألة على طول التاريخ العربي (الإسلامي) من مشكل حضاري ربما كان هو المتسبب الأساس لحالة التدهور التي أصابت حضارة المسلمين.

والملاحظٌ أنّ آباء النهضة وجدوا في الممارسة الديمقراطية حلا سحرياً لمشكل الاجتماع السياسي الإنساني بعموم، كما وجدوا فيها ضالّة حكيم يبحث عن حلّ لأزْمَتِه الخاصة؛ إذ كانوا يدركون أنّه باستثناء صدر الإسلام لم يرتح المسلمون بشكل معتبر على أسلوب سياسي يديرون به حياتهم، كما لم يستطع فلاسفتهم أن يقدّموا طروحاً في السياسة تساوي أو تقارب ما تقدموا به من طروح حضارية في غيرها من الميادين، مع أنّه يسهل القول إنّ السياسة (النظام الاجتماعي-الدولة) هي أمّ الحركة الحضارية للأمم، والحاضن الأساس لها.

لست في حاجة إلى التذكير بأنّ ما أقصد إليه هنا من تدني حالة البحث السياسي عند المسلمين ليس مقصوداً به عدم وجود محاولات للتنظير السياسي؛ وإنّما الذي أقصد إليه هو أنّه لم يتوفر مناخ، ولا ترتبت مدرسة في هذا الشأن تقوم عليه تنظيراً وتفكيراً ودراسة كما توفر لغيره من حقول البحث كالتشريع والأدب واللغة والتفسير…الخ. كما ينبغي أن نعترف بأنّ ما واجه هؤلاء المفكرين من عقبات كان من شأنه أن يسبب مثل هذه العرقلة، فليس الأمر هنا أمر إشارة لقصور بقدر ما هو إشارة لواقع كان موجوداً بغض النظر عن مسبباته.

ومع أنّه توفرت محاولات لبحث الشأن السياسي والتنظير لاجتماع سياسي مميز يحمل الهويّة الإسلامية، لعلّ من أهمّها جهود الإمام ابن خلدون. فمع ذلك فقد أشار المفكر الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى ما يعدّ مثاراً للإشكال في طريقة تفكير عبد الرحمن بن خلدون إذ أثبت المجدد الكبير أنّ ابن خلدون (رحمه الله) كان قد اطلع بالتأكيد على ما كتبه اليونانيون في الشأن السياسي ومع ذلك فقد أعرض عنه بجملته مقتصراً في أداء مهمته على التجارب السياسية في تاريخ المسلمين فقط، ممّا أدى إلى إصابة تناوله للنظريّة السياسية بقصور كبير. ومع أنّ المفكر الكبير قد اعتذر عن الرجل بأنّه لم يكن يشغل باله بالتنظير قد ما انشغل بالتطبيق العملي إذ كان سياسياّ عاملاً في ميدان السياسية إلا أنّ إغفال شطر يعد من أهم ما ورثته الإنسانية في التنظير والتطبيق السياسيين لهو ممّا يؤسف له ولا يمكن التماس عذر مقبول له ولو بافتراض الاهتمام بمسائل التطبيق السياسي إذ التراث اليوناني والروماني لم يكونا نظريين فقط؟ فأمّا الانحصار والانحسار بحدود العالم الإسلامي في التفكير السياسي أو حتّى غير السياسي فهي فكرة مرضيّة لا يجوز السكوت عنها، وهي من المسائل التي تجاوزها آباء النهوض ببراعة شديدة وتجرّد كبير خالصين من تلك العقد التي سببّت إشكاليات مركزيّة في الذهن المسلم وقد وجدنا الآباء يحاولون بلون من التبسط دونما تعقيد أو تقعُّر إثبات وجود تشابه بين "الديمقراطية" والمفهوم الإسلامي للشورى، كما سَعَوْا في مواجهة أزمة الحكم الخانقة والفساد والسلوك المستبد للحكام في العالم الإسلامي إلى تبرير اقتباس جوانب من النموذج الغربي اعتبروا قدرتها على إخراج المجتمعات العربية من أزمتها السياسية.

ولست بحاجة للمرة الثانية لأن أقرر أنّ هؤلاء الرواد ابتداء من الطهطاوي مروراً بخير الدين التونسي وانتهاء برشيد رضا لم يكونوا يواجهون تلك الهواجس المرضيّة من حيث الخوف من أن يكونوا باقتباسهم من الغرب إنّما يضعون الدينِ أو جزءٍ منه موضع اتهام أو شبهة أو يستهدف تغييره أو تبديله، وهي ذات الهواجس المرضيّة المسئولة عن تلك التصرّفات العجيبة التي أدّت إلى عمليّة تجاهل الشطر الأكبر من التراث البشري قبل الإسلام، ومع

المزيد