رؤيتنا في ضرورة حسم القراءة الحضارية للإسلام ..
إننا نرى أنّ أشد ما هو مطلوب منا اليوم أن نقف موقفَ جزمٍ قاطع ما بين قراءتين للإسلام، بَدَتَا في مطالع النهوض كما لو أنّ أولاهما قراءة الراسخ المؤسس، وظهرت الثانية بمظهر المعيق المدمّر، لنقول بقطع: أنّ هاتين القراءتين اللتين أشرف عليهما عصر النهضة -وهما قراءتان قديمتان جداً في التعاطي مع الإسلام- إنّما هما قراءتان تقضي ضرورة الظرف القائم وتقضي تجربة النهوض، وتجربة التاريخ العربي الإسلامي الطويل بعدم إمكانيّة تعايشهما معاً، وأنّه إذا كان معامل التفرقة القديم، في مجال النظر العقلي ومدى سعته، هو بين أصحاب العقل وأصحاب النصّ، وإذا كانت النظرة الملازمة لهذا العامل هي دوماً في محاولة التوفيق النظري للخروج بنظرة يتقارب فيها العقل والنقل؟! فعامل تفرقة اليوم ينبغي أن يكون جازماً وحاسما بين العقلاء وبين المجانين، ونحن لا نقبل أبداً أن يكون مصطلح "المجانين" مرادفاً أو دالّاً على "النص" فالنصّ خطاب للعقلاء فقط. وحتّى يكون طرحنا واضحاً فإنّ ضابط العقل عندنا هو ما كان عليه الآباء المؤسسون للنهضة.
ونعتقد بيقين أنّ نظرة الآباء للإسلام إنّما تأسست على نظرة الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم الذين توافقوا مع كافّة معطيات التطور والتزموا إعمال العقل، والمنطق، بل إلى تحكيمهما والاستناد إليهما، ألم يجمعوا القرآن تحت دعوى أنّه "هو والله خير"؟([1]) أي: أنّ المصلحة وقواعد المنطق قاضية بهذا الجمع؟ ألم يقاتلوا مانعي الزكاة تأسيساً على "شرح صدر الصديق2])" أيّ أنّ جملة ما توفر من معطيات قاضية بدعم القرار الذي اطمأنّ إليه واتخذه؟
إنّ الغالبية من المسلمين -وبفعل الخطاب غير المؤهل للنخبة الدينية منذ بدأت عصور الانحطاط- لا يفهمون الإسلام ولا يتعاطون معه إلا على قاعدة أنّه قانون يلزم على المؤمنين الانصياع إلى بنوده وتطبيقه بحذافيره الدقيقة، ولا يعتبرون التدين إلّا ذلك النوع من التسليم بالأوامر والامتناع عن النواهي، والالتزام بحكم الشريعة. وعلى هذا لا يصبح الإسلام رسالة يجب على المؤمنين بها استلهام الوحي من معانيها العامة، وإنما منظومة من الأوامر والنواهي على المخاطبين بها تنفيذها وحسب، وعليه فلم يعد محلّ اهتمام النخبة مسألة حسن وسوء فهم الدين، بقدر ما عاد المطروح مسألة ما إذا كنت مقصّراً في أداء الواجب من عدمه؟ وهو ما أتاح للرسوم والشكليات أن تأخذ مكانها مزيحة العقل والروح من حسابات التديّن؟ وهو ارتداد -لا شك- إلى ما قبل الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟
إنّ الإنجاز الأكبر لآباء النهضة هو إعادة الفاعليّة للقراءة الأصيلة للدين، واعتماد منظومة فكريّة مضادة لهذا الفهم الذي يواجه الإسلام ويلغيه من التاريخ بالكامل، إنّ أخطر سمات الإسلام الذي آمن به الآباء، وكانت الدعوة إليه والتركيز عليه، سمة الدين الثائر المحرِّر، في مواجهة فكرة "الدين" –وما هو بدين- المستعبِد المستذِل، الذي لا كبير فرق في تصوّرات الداعين إليه بين "الإله" وبين أيّ متكبر أرضي لا يريد من محكوميه غير الطاعة العمياء. لقد ركز أصحاب القراءة الفاسدة للدين على معنى الاستسلام مُغْفِلين -عن عمد أو جهل- معنى السلام، الذي لا يمكن للإنسان أن يحياه وهو يحيا حياة الفصام بين عقله الذي هو المكوّن الأساس لذاته، والمعلل الأساس لوجوده ولدوره على الأرض، وبين جهد دائب من أجل طمس هذا العقل؟ ولئن كان تأويل الآية: "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون" معناه أنّه ليس مطلوباً من الإنسان سوى أن يكون محض التعبد، أي أن يُحدث الطاعة للمعبود فيما أمر به إيماناً وإسلاماً من دون الحاجة إلى سند عقليّ، ولا التوقف في تنفيذ هذه الطاعة على إدراك العلل، فلعمري لم كرّم الله الإنسان بالعقل، ولم امتلأت آيات كتابه بمطالبة هذا الأخير بإعمال هذه اللطيفة واتباع هداها؟ لقد احتج الملائكة على خلق الإنسان بأنّهم أكثر منه إسلاماً، وعبادة، وطاعة -وهم في كلّ ذلك محقّون- فحاجّهم الله تعالى بعلم الإنسان –عقله-. وقد ذكر الله في كتابه العزيز تلك الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها. فهل أبَيْن حمل الطاعة والاستسلام وهن لا يفعلن سواها؟ هذا لون من القراءة ينبغي حسمه، وإلا فلن نخلص من أزمتنا بحال.
2) حسم التوجّه
أوجدت حالة التطرّف والتطرّف المضاد من قبل الناهضين والتقليديين حالة غريبة تمثّلت في بروز تيارات أخذت على عاتقها مهمّة الدفاع عن الصلاحية السياسيّة والحضاريّة للإسلام، ولأسباب كثيرة وقع عبء هذا الدفا














