ماذا حدث للفقر في مصر؟
(٣-٣)
عصر الإثراء بلا سبب

بقلم د. جلال أمين
نقلاً عن المصري اليوم: ٢٧/٣/٢٠٠٧
لدي أسباب كثيرة للاعتقاد بأن العشرين سنة الأخيرة (٨٦-٢٠٠٦) ربما كانت أسوأ فترة في حياة فقراء المصريين، ليس فقط خلال الخمسين عامًا الماضية، بل ربما خلال القرن العشرين كله.
نعم، كان هناك بعض الارتفاع في متوسط الدخل، بل كان معدل التضخم خلالها أقل بكثير مما كان خلال السنوات العشر السابقة عليها (٧٦- ٨٦) وأرقام توزيع الدخل، وإن كانت تدل علي تدهوره خلال هذه العشرين عامًا، فإنها لا تدل علي تدهور صارخ أو غير معهود، ولكن هناك أشياء كثيرة ومهمة، سبق أن ذكرتها، لا تقاس بسهولة بالأرقام،
بل ربما لا يمكن قياسها علي الإطلاق، تجعل وطأة الشعور بالفقر أثقل بكثير، وهذا هو ما حدث بالفعل خلال هذه العشرين عامًا: ما كان كماليا أصبح يعتبر حاجة ضرورية، وإشباع هذه الحاجات «الضرورية» أصبح أبعد منالا، والإلحاح علي ضرورة إشباعها أصبح أثقل علي النفس، والقلق مما يمكن أن يأتي به المستقبل أصبح أشد، والشعور بالاغتراب أكثر حدة. فما السبب في كل هذا؟
لقد بدأت هذه العشرون عامًا (في ١٩٨٦) بأمرين سيئين للغاية: انخفاض كبير ومفاجئ في أسعار البترول، وتدخل صندوق النقد الدولي بفرض توجيهاته للحكومة المصرية بسحب يدها تدريجيا من التدخل لصالح الفقراء. كان الانخفاض في أسعار البترول شيئًا خارجًا بالطبع عن إرادة الدولة المصرية، ولكن تدخل صندوق النقد كان نتيجة لمزيج من إرادة خارجية وحماقة داخلية، فالصندوق كان يمثل بلا شك إرادة قوي خارجية ترغب في مزيد من فتح الأبواب أمام السلع ورؤوس الأموال الأجنبية، والمزيد من المزايا لها، ولكن الصندوق انتهز فرصة كانت فيها الحكومة المصرية في غاية الضعف عندما ثبت عجزها عن الوفاء بأقساط وفوائد ديون خارجية كبيرة كانت قد تورطت فيها خلال السنوات العشر السابقة بسبب حماقات السياسة الاقتصادية.
ترتب علي كلا الأمرين، انخفاض سعر البترول وتدخل الصندوق. آثار سلبية كثيرة عاني منها فقراء المصريين أكثر مما عاني أغنياؤهم. فمن ناحية أدي انخفاض سعر البترول إلي عودة كثير من فقراء المصريين الذين كانوا قد هاجروا إلي دول البترول في أيام انتعاش هذه الدول «أضيف إليهم عشرات الآلاف من المصريين الذين عادوا بسبب هجوم صدام حسين علي الكويت»، واضطر الفقراء الذين لم يغادروا مصر قط،
وكانوا يأملون في الذهاب إلي الخليج، إلي تأجيل رحيلهم إلي أجل غير مسمي «لم يحلّ حتي الآن»، فانضموا إلي صفوف الباحثين عن عمل في مصر، ولكن انخفاض سعر البترول أدي أيضًا إلي إفقار الحكومة المصرية لانخفاض عائداتها منه، فانضم هذا إلي ضغوط صندوق النقد الدولي لإحداث تدهور خطير في مستوي الخدمات التي كانت تقدمها الحكومة للفقراء أو تقوم بتقديم الدعم لها، من تعليم وصحة وإسكان ومواصلات.
وجد فقراء المصريين أنفسهم مضطرين إلي حمل هذه الأعباء بأنفسهم بعد أن تخلت عنهم الحكومة، في وقت كانت الدخول تزيد فيه ببطء شديد، وتزداد صعوبة العثور علي فرصة عمل يوماً بعد يوم. من ناحية أخري أدي انحسار تيار الهجرة، بل عودة الكثير من المهاجرين مع تقاعس الحكومة عن تنفيذ التزامها القديم بتعيين الخريجين الباحثين عن عمل إلي ارتفاع معدلات البطالة ارتفاعًا غير معهود في مصر.
لقد ظلت البطالة السائدة في مصر، قرونًا طويلة، تكاد تنحصر فيما يسميه الاقتصاديون «البطالة المقنعة»، أي أن يعمل المرء بأقل كثيرًا من طاقته، ومن ثم يحصل علي دخل أقل كثيرًا من حاجته، كان من الأمثلة الصارخة للبطالة المقنعة قبل ثورة ١٩٥٢، اشتغال أسرة فقيرة في الريف، تتكون مثلاً من ثمانية أشخاص، بزراعة قطعة صغيرة جدًا من الأرض لا تحتاج زراعتها إلا لشخصين أو ثلاثة، أو حالة بائع ليمون أو بصل يدور في الشوارع مناديا الناس لشراء بعض ما يحمله مما لا يكاد يكفي، ولو باعه كله لسد رمقه.
إنه يبدو كأنه يعمل، ولكنه في الحقيقة يقوم بعمل ضئيل الإنتاجية، وأقل إنتاجية بكثير من قدرته الحقيقية.
أما البطالة المكشوفة أو السافرة، فهي حالة الشخص الذي لا عمل له علي الإطلاق رغم رغبته فيه وقدرته عليه، هذه البطالة المكشوفة هي التي كانت نادرة جدًا قبل الثورة «إذ يرتبط وجودها عادة بإغلاق مصنع وتسريح عماله، أو تعليم الطلاب في المعاهد والجامعات ثم بحثهم عن عمل بعد تخرجهم فلا يجدونه».
لم تكن البطالة المكشوفة شائعة قبل الثورة إذ لم تكن هناك مصانع كثيرة، لا مفتوحة ولا مغلقة، ولا كان التوسع في التعليم قد وصل إلي حد تخريج عدد أكبر من الوظائف المتاحة.
في السنوات العشر الأولي من الخمسين عامًا الماضية «٥٦- ١٩٦٦» انخفضت البطالة، المقنعة والمكشوفة، بسبب جهود الثورة في التنمية وبسبب الإصلاح الزراعي الذي استوعب أيدي عاملة في الزراعة أكثر من ذي قبل، وإذا كانت البطالة المكشوفة والمقنعة قد بدأت في الزيادة في السنوات العشر التالية «٦٦- ١٩٧٦» بسبب ما ترتب علي حرب ١٩٦٧ من تخفيض الاستثمارات، فقد تكفلت الهجرة في السنوات العشر التالية «٧٦- ١٩٨٦» بتخفيض البطالة مرة أخري، مكشوفة ومقنعة.
ثم عادت البطالة بنوعيها للظهور بل وللزيادة السريعة ابتداء من ١٩٨٦: فالدولة تسحب يدها وأبواب الهجرة تضيق، وكثيرون من المهاجرين يعودون، فما الذي تنتظره؟
إني أزعم أن حالة العمالة والبطالة في مصر لم تتحسن منذ ١٩٨٦، بل ازدادت سوءًا سنة بعد أخري، وعندما أقول إن «حالة العمالة والبطالة» لم تتحسن منذ ١٩٨٦ فإني أقصد شيئًا لا يقاس فقط بنسبة المتبطلين إلي حجم القوة العاملة «وهو ما لدينا بعض الأرقام عنه» بل يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضًا نسبة المشتغلين الذين يقومون بأعمال أو يشغلون وظائف اضطروا للقيام بها لعجزهم عن العثور علي أعمال أو وظائف تناسبهم، سواء من ناحية الأجر أو من ناحية طبيعة العمل.
إن مهندسًا يع
المزيد