تيار مصر البديل: إنسانيون يحيون نضال تشي..

أكتوبر 7th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , البديل الثائر, مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل

 

تحية لتشي ولسائر المناضلين في أربعينية ملهمهم ..

من أقوال تشي..

- لقد تعلمنا الماركسية في الممارسة العملية, في الجبال

- تمسكي بخيط العنكبوت ولا تستسلمي عزيزتي (من رسالة الى زوجته إلييدا)1

- أنني احس على وجهي بألم كل صفعة توجه الى مظلوم في هذه الدنيا

- أينما وجد الظلم فذاك هو وطني

- إن من يعتقد أن نجم الثورة قد أفل فإما أن يكون خائنا أو متساقطا أو جبانا, فالثورة قوية كالفولذ, حمراء كالجمر, باقية كالسنديان عميقة كحبنا الوحشي للوطن

لا يستطيع المرء أن يكون متأكدا من أنه هنالك شيء يعيش من أجله, إلا اذا كان مستعدا للموت في سبيله

- كل قطرة دم تسكب في أي بلد غير بلد المرء سوف تراكم خبرة لأولءك الذين نجوا, ليضاف فيما بعد الى نضاله في بلده هو نفسه, وكل شعب يتحرر هو مرحلة جديدة في عمليه واحده هي عملية اسقاط الامبريالية.

- أنا لست محررا, المحررين لا وجود لهم, فالشعوب وحدها هي من يحرر نفسها


السبت 06 أكتوبر 2007مBBC 

 

تمر هذه الايام الذكرى الاربعين لمقتل الزعيم الثوري لامريكا اللاتينية ارنستو (تشي) غيفارا، الارجنتيني المولد الكوبي النضال والبوليفي المقتل.

 

ورغم مرور اربعة عقود، تظل صورة الثوري الجسور مرتبطة بصورة تشي التي تغطي ملايين الاجساد والرؤوس في انحاء العالم على القمصان واغطية الراس.

 

ففي التظاهرات والاحتجاجات الاخيرة في بورما، كان الشباب يرتدون القمصان التي تحمل صور غيفارا، كما تشاهد الصورة في شوارع القاهرة والرباط وغيرها من المدن في القارات الخمس.

المزيد


الدولة في الإسلام

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل

الدولة في الإسلام

في ضرورة الدولة

لم نجد ذكراً لمادة "دول" في السياق القرآني سوى في قوله تعالى: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([1]). بالإضافة إلى كلمة "نداولها" التي في سورة آل عمران{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}([2]). وقد اقترنت الكلمة عموماً في الإسلام الأول بالفيء، فقيل: "صار الفيء دولة بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا"([3]). كذلك فلم تُستخدم الكلمة كمصطلح سياسي([4]) إلا في وقت متأخر في الإسلام. ومع ذلك فلا شك -بحكم البداهة العقلية والتاريخية- أن الجماعة الإسلامية عرفت الاجتماع المنظم ولا شك بأنّ المسلمين حين توجهوا لإنشاء اجتماع خاص بهم أو بالمشاركة مع غيرهم على قطعة أرض مستقلة، تمارس الجماعة التي تعيش عليها السيادة على نفسها، فإنهم بذلك أسسوا دولة وأوجدوا بها سلطة ونوعاً من التشريع أو القانون وتحقق لهم نوع من السيادة المستقلة. فالمجتمع الذي تكون في المدينة بذاتية مستقلة تُمَيّزه عن غيره يعترف بقانون، وتسير حياته وفقاً لنظام، ويهدف أفراده إلى العيش معاً بوشائج قوية من الشعور بالتضامن، مِثْل هذا المجتمع الذي تتوفر فيه تلك العناصر لا يمكن أن يوصف بغير كونه مجتمعاً "سياسياً" أو "دولة"؛ إذ لا تعريف للدولة غير أن تجتمع هذه الصفات في مجتمع واحد. فقد ولدت الدولة إذن "ولم تكن هناك أية وظيفة من الوظائف التي يمكن أن يقال عنها إنها سياسية: من إعداد الأداة لتنفيذ العدالة، أو تنظيم الدفاع أو بث للتعليم، أو جباية للمال، أو عقد للمعاهدات، أو إنفاذ للسفارات، أو حتى إحصاء لتعداد السكان وتحديدٍ لحدود الإقليم الذي تعمه السيادة إلا أدتها هذه الدولة"([5]).

على ذلك فقد احتضنت هذه الدولة المدنية العديد من القوى الاجتماعية والسياسية التي أعلنت عن نفسها في زمن الرسول(r) بصورة سلمية تحافظ على وحدة الدولة([6]) وتحتضن مجتمعاً سياسياً، تطور بتطور حركة الإسلام في العالم،. لذلك نجد دستور (المدينة)، عبارة عن مشروع سياسي شامل، يسعى نحو استيعاب كل الأطياف والقوى الدينية والقبلية والسياسية الموجودة في المدينة المنورة، مُشكِّلاً منهم مجتمعاً سياسياً جديداً قائماً على قواعد دستورية واضحة، ويظهر من هذه الوثيقة وجود رغبة أكيدة عند رسول الله (r) لخلق نمط جديد من العلاقات بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع واحد([7]).

ومع أنّ البعض يتّجه إلى اعتبار أنّ المجتمع المنظم الذي أسسه محمد(r) قد مثل الأساس الأول لفكرة العقد الاجتماعي([8]) فإنّ مسألة الاجتماع السياسي في رأيي ينبغي أن تظل في إطار الأحكام البدهيّة، فالمجتمع الإسلامي الأول صحيح أنه بني على صيغة تعاقدية بين الرسول محمد(r)  ومن تعاقدوا معه من أهل يثرب وفقاً لما تم في "العقبات" المتتالية بمواسم الحج التي سبقت انتقاله (r) إلى المدينة. فإن الشأن الذي ينبغي أن لا نتجاوزه هنا أنّه لابد وأن ينشأ عن وجود جماعة في مكان وجود النظام والسلطة بأية صورة، وعلى أي أساس.

إن الدولة –وكما يقول العلامة الشيعي الشيخ محمد مهدي شمس الدين([9])– إنّما هي "استجابة للفطرة والضرورة التي يقتضيها الاجتماع البشري الذي لا يعقل تحققه من دونها. والمجتمع الإسلامي ليس شذوذاً خارجاً عن هذه الفطرة، وعن هذه الضرورة، وهي ضرورة يفرضها كون الإنسان/المجتمع جزءاً عن الكون المحكوم بنظام كوني ثابت وشامل لجميع الموجودات في عوالم الجماد، والحياة النباتية، والحيوانية.. هذه العوالم التي يقف الإنسان في قمتها كائناً، واعياً، عاقلاً، مريداً، مختاراً، حراً. وقد سخر الله له سائر العوالم، وزوده بالوسائل والقدرات المادية والعقلية، والنفسية، للانتفاع بها في نطاق استخلافه".

يقول العلامة شمس الدين: وأمّا في السنّة الشريفة فقد ورد التعبير عن فكرة الدولة والحكومة باعتبارها من الضرورات والمسلّمات التي لا يُسأل عنها وعن أصل تشريعها، وإنّّما يقع السؤال عن تفاصيلها.. فلم يرد في السنّة –فيما نعلم- سؤال من المسلمين للنبيّ(r) عن أصل فكرة الدولة والحكومة، مع أنّ هذا الموضوع من أعظم الأمور التي تكتنف حياة الإنسان والمجتمع من جميع وجوهها. وكان المسلمون يسألون عن كلّ ما يتّصل بحياة الإنسان وأنشطته المختلفة مع غيره من النّاس وفي الطبيعة، ولكنّهم لم يسألوا عن أصل تشريع الدولة والحكومة. قال العلامة: ولا تفسير لذلك إلا كونهم يَعون ضرورتها وبديهيتها من إدراكهم لطبيعة كونهم مجتمعاً سياسيّاً لابدّ له بحكم الفطرة من دولة وحكومة.

ثمّ استشهد شمس الدين بما رواه الشريف الرضي عن أمير المؤمنين "عليّ"(u) في ردّه على الخوارج لمّا سمع قولهم: "لا حكم إلا لله" قال الإمام: " كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنّه لا حكم إلا لله ولكنّ هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، ولابدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلُغ الله فيها الأجلَ، ويُجمع به الفيء ويُقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويُؤخذ به للضعيف من القويّ، حتّى يستريح به برٌّ ويُستراح من فاجر"([10]). وهو ما علّق عليه الإمام محمد عبده بقوله: "وهو إبطال لزعمهم أنّه لا إمرة إلا لله بأنّ البداهة قاضية أنّ الناس لابد لهم من أمير برّ أو فاجر حتّى تستقيم أمورهم وولاية الفاجر لا تمنع المؤمن من عمله لإحراز دينه ودنياه وفيها يستمتع الكافر حتّى يوافيه الأجل ويبلغ الله فيها الأمور آجالها المحدودة لها بنظام الخلقة وتجري سائر المصالح المذكورة"([11]). ثمّ يروي العلامةُ عن الشريف الرضي عن الفضل بن شاذان عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) –قال العلامة: ولعلّه أجمع ما ورد في سنّة أئمة أهل البيت(ع) في شأن مسألة الحكم والدولة- ردّاً على سؤال: ولِم جَعل (أي: الله تعالى) أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قال الإمام في ضمن تعليلات كثيرة: "إنا لا نجد فرقة من الفرق، ولا ملة من الملل، بقوا وعاشوا إلا بقيِّم ورئيس، لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم"([12]).

كون الدولة ضرورة من ضرورات الأمة والوجود الإنساني، وبداهة من أظهر بداهاته قضية لم نبتدع القول فيها وهي أظهر من أن نعيد وننقل من الآراء ما يؤيدها، ومع ذلك فقد قررها من قبلُ كلُّ من تحدث في شأنها من علماء الإسلام فبها تستطيع الأمم خلق الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فالسلطة ضرورية لانتظام الدنيا، التي هي ضروريّة لانتظام الدين، الذي هو ضروري لتحقيق السعادة في الآخرة([13]).

وقد أورد الإمام ابن خلدون في هذا كلاماً شديد الوضوح في بدهية الدولة وضرورتها بل في عدم الحاجة للتكلف في البحث عن دينيتها (أصولها الدينية). فالمقدّمة الأولى من الكتاب الأول من الباب الأول، جعلها في بيان أنّ الاجتماع الإنساني ضروريّ، قال: ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدنيّ بالطبع" قال: "أي: لابدّ له من الاجتماع"([14]). ثمّ قال"وقد تبين لك بهذا أنّه(الدولة أو الملك) خاصة للإنسان طبيعية ولا بد لهم منها. وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استُقْرِئَ فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه. قال: إلا أن ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسياسة: "أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"([15]).

الإسلام كوّن لدى العرب عقيدة سياسيّة جديدة تتأسس على الانتماء للدولة لا للقبيلة:

الإسلام إذن لم يبتدع القول بالدولة، ما قال الإسلام بهذا ولا يقول به عاقل، فالدولة أو الاجتماع المنظم نظام فطريّ ملازم للبشريّة من حال نشأتها، لم يكن الإسلام مُنشئاً له، ولا ينبغي لذلك أن يُقال، كلّ ما هنالك أنّ للإسلام رسالة مستحدثة لم تكن تُعرف عن طبيعة الدور الدينيّ من قبل، وهي رسالة إصلاح ألحّ الإسلام عليها، من أجل وضع ضوابط وإصلاحات لممارسة العمليّة السياسيّة في جانبيها السياسي والتشريعي على السواء.

الثابت أنّ أكبر خطر سياسيّ توفّر للعرب بتأثير الفكر السياسي للإسلام تمثّل في بروز فكرة الدولة الجامعة ذات السلطة العامّة على مجمل العرب، والأهمّ من ذلك بروز فكرة ضرورة الانتماء لهذه الدولة، والأهم من ذلك كلّه هو ابتداع تأسيس الانتماء لهذه الدولة على قاعدة التعاقد (ولو كان هذا التعاقد في بدايته أخذ الطابع الأكثر سذاجة والأنسب لظروف العصر –طابع التعاقد الديني-) لا على عصبية الدم، وإن كان الإسلام أكّد منذ بداية دولته على ضرورة عدم جعل الرابط الديني أساساً يتقدّم على رابط العيش المشترك؛ فلم يشترط إخلاء المدينة من الكافرين ومن اليهود قبل أن يقيم دولته فيها، ومعلوم أنّ دولة المدينة نشأت على أساس التعاقد القائم لا على التعاقد الديني وإنّما على تعاقد العيش المشترك بين أصحاب ديانات وانتماءات عصبية مختلفة([16]).

بعد فتح مكّة تغيّر النظام السياسي الإسلامي من نظام "الدولة المدينة" إلى نظام "الدولة الكبيرة"، وأصبح واضحاً أنّ هناك تغيراً سياسياً شاملاً، وفكرة جديدة قاهرة لم يعرفها العرب من قبل هي فكرة الدولة الواحدة بدل القبائل أو المدن المتعددة، والسلطة العامّة القاهرة التي تحتكر القوة لنفسها، وتقهر أيّة قوى أخرى لا تدين لها بالولاء، وبدا واضحاً تشديد الإسلام على فكرة ضرورة الالتزام بالجماعة أو بالولاء الوطني الجامع بدلاً من مسألة الولاء القبلي المفرّق؛ وربّما على هذه الجهة جاءت أحاديث التحذير الشديد من مفارقة الجماعة أو العمل على تفتيتها([17]). إذ مفهومٌ أنّ نتيجة التفتيت الرئيسة في هذه الحالة وفي تلك البيئة هي العودة للقبليّة التي سيكون المقام الأبرز فيها للحزب لا للجماعة، للأقل لا للأكثر. للتناحر والمعاندة لا للتطاوع والمسايسة.

هذه العقيدة السياسية (الدولة الكبيرة) ختم النبي الخاتم(r) بها حياته وأكّد القرآن تأييده لها حين نزلت سورة براءة في وقت مخصوص على أن تتلى على جمع مخصوص (يمثّل جميع مواطني الدولة) باعتبارها بياناً سياسياً لا يصعب على القارئ له أن يقرأ تلك المعاني التي تشير إلى هذا التغيّر في الخطاب السياسي للإسلام على نحو غير مسبوق، فبعد أن كانت الجماعة السياسية الإسلامية جماعة تمارس السيادة على نفسها ضمن إقليم معين من أرض الجزيرة أصبحت تمثّل حكومة الدولة العربية الجامعة، وأصبح لازماً على الجميع أن يدينوا لهذه الجماعة بالولاء، وأن ينصاعوا للسلطة العامّة التي تتمركز في المدينة بالطاعة.

وقد كانت هذه العقيدة السياسية الجديدة –حسب ما نعتقد- الحاضر القوي في ذهن الصديق(t) حين أصرّ على إخضاع مانعي الزكاة لسلطان مشروع الدولة، حائزاً في إرادته السياسيّة هذه على توافق الأصحاب، رضوان الله تعالى عليهم، على الالتزام بفكرة الدولة وبالتمثيل السيادي لها، ووجوب الرد على مهددي الحق البدهي لها في احتكار السلطة العامّة وفي التصرف بمقدرات الدولة، وأوّلها المقدّرات الماليّة، باسم السيادة العامّة التي تملكها.

الصحابة اتفقوا على الحفاظ على مشروع الدولة تأسيساً على الضرورات وعلى أحكام السياسة:

قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ"([18]). فقد أبان أمير المؤمنين عمر عليه السلام أنّه إنّما استند في الموافقة على القتال إلى انشراح صدر الصديق لا إلى نتائج المحاججات حول تأوّلات النص، والحقّ أنّ النّاس ذهبوا بعيداً في مسألة استنطاق النصّ من أجل إثبات أحقيّة الصديق في حرب مانعي الزكاة على قاعدة أنّهم كانوا مرتدين؟ أو أنّه كان لهؤلاء القوم تأوّلهم المقبول –حسب رأيهم-لمنطوق الآية القاضية بأخذ الزكاة، وأنّها خاصّة بالنبي محمّد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وبالتالي لم يكن من الأوفق قتالهم. والحقّ أنّه لم يكن لذلك البحث أن يستقيم؛ لأنّ الثابت أنّ هؤلاء لم يرتدّوا، والأمر لم تكن هذه قاعدته بالأساس بل كانت قاعدته مسألة الدولة وسيادتها، لا مسألة الردّة وثبوتها، وعليه كان انشراح صدر الشيخين للشروع في قتالهم لا على غيره.

وقد عَزَى الجصّاص تسمية من سمّى مانعي الزكاة بالمرتدين إلى اعتقادهم بأنّهم أخلّوا بشرط من شروط الإيمان فكانوا مرتدين بذلك، معتمدين ما جاء في بعض الروايات مما يستفاد من سياقه أنهم مرتدون بامتناعهم من قبول فرض الزكاة، ثمّ ذكر الجصّاص رواية مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لما قبض رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ارتدت العرب عن الإسلام إلا أهل المدينة فنصب أبو بكر لهم الحرب. فقالوا: فإذاً نشهد أن لا إله إلا الله ونصلي ولا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبى بكر وقالوا: دعهم فإنهم إذا استقر

المزيد


مسألة السيادة المدنية للشعب المسلم على دولته

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل


مسألة السيادة المدنية للشعب المسلم على دولته

 بقلم: د. علي عبد الحفيظ

في السيادة:

جاء في الموسوعة السياسية في تعريف كلمة "السيادة" Sovereignty أنّها السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة، وهي ميزة الدولة الأساسيّة الملازمة لها والتي تتميّز بها عن كلّ ما عداها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم، ومركز إصدار القوانين والتشريعات، والجهة الوحيدة المخوّلة بمهمّة حفظ النظام والأمن، وبالتالي المحتكرة الشرعيّة الوحيدة لوسائل القوّة ولِحقّ استخدامها لتطبيق القانون([1]).

وعلى الرغم من دخن العلاقة بين مسألتي السيادة, والسلطة، وعدم وضوح الفرق بينهما([2]) فلعلّه أن يكون من أفضل ما وجدت في هذا الباب ما ذكره الدكتور عصمت سيف الدولة، حيث يقول: "قد يعبر عن موضوع السيادة في بعض كتب فقه القانون بكلمة السلطة, قال: وهو تعبير غير دقيق؛ إذ السلطة هي استعمال السيادة وليست السيادة ذاتها، مثلها مثل حقّ الانتفاع, الذي هو حقّ استعمال لحقّ الملكيّة، وليس الملكيّة ذاتها. والفارق بينهما: أنّ السيادة لا تنتقل ولكنّ السلطة تنتقل. فبينما تبقى السيادة لصيقة بالشعب لا تفارقه، ولا تنتقل إلى غيره، قد يعهد الشعب بممارستها إلى من ينوب عنه فتصبح ممارستها "سلطة"([3]).

والسيادة –بنظرنا- مسألة بدهيَّة تابعة في بداهتها لبداهة فكرتي الاجتماع السياسي والدولة وهي تمثل لب الشأن السياسي لأية جماعة فهي مما يلزم عن حتمية التشخيص والترميز الضروريَّيْن لتسيير حياة وتنظيم علاقات الجماعة، وبواسطتها تتشخّص الحكومة في صورة الشخص الاعتباري للمجموع وتضطلع بتنظيم علاقات الجماعة بالفرد، وعلاقات الدولة بغيرها من الجماعات المختلفة حولها، وبواسطة فكرة السيادة هذه تعتبر الدولة بمثابة "فرد" حر له شخصيته القانونية والدينية والمالية…الخ. وعلى هذه الحالة تتأسس أحكام ما يعرف بالقانون الدولي الذي تعتبر الدولة فيه بمثابة واحد من الجماعة الدولية.

وقد أثيرت مشكلة السيادة في مقدمة ما أثير من المشاكل في أثناء محاولات التأصيل لعلوم الفقه السياسي المسلم في العصر الحديث. خصوصاً تلك المشكلة النظريّة التي تتعلّق بتحديد صاحب السيادة العمليّة على الدولة، ومع أنّها قضيّة مفصّلة من ذاتها وواضحة فقد أكثر الناس من القول فيها، وقد انحصر الكلام فيها بين رأيين: رأي يقول أصحابه أن صاحب السيادة هو الله. ورأي يرى أنَّ صاحبة السيادة هي الأمة.

أما القائلون بسيادة الأمّة فكثير من العلماء المحدَثين، منهم الأستاذ المفتي: محمد بخيت المطيعي([4])، حيث يقول في كتابه "حقيقة الإسلام وأصول الحكم": إنّ كتب الكلام كلّها مطبقة على أنّ نصب الخليفة والإمام إنّما يكون بمبايعة أهل الحلّ والعقد، وأنّ الإمام إنّما هو وكيل الأمّة، وأنّهم هم الذين يولّونه ملك السلطة وأنّهم يملكون خلعه وعزله، وشرطوا لذلك شروطاً أخذوها من الأحاديث الصحيحة، وليس لهم مذهب سوى هذا المذهب.. أنّ مصدر قوّة الخليفة هو الأمّة، وأنّه إنّما يستمدّ سلطاته منها، وأنّ المسلمين هم أوّل أمّة قالت بأنّ الأمّة هي مصدر السلطات كلّها" وإلى مثل ذلك ذهب السيد محمد رشيد رضا([5]). والأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف([6])، كما ذهب إلى القول به الأستاذ عبّاس محمود العقّاد في كتابه "الديمقراطيّة في الإسلام"([7]). وإلى اعتبار الحكم من المصالح العامّة التي تفوّض إلى نظر الأمّة ذهب الشيخ أحمد أبو الفتح في كتابه "المختارات الفتحيّة في تاريخ التشريع، وفي أصول الفقه"([8]).

يقول د. عبد الحميد متولّي: "ودليلهم على ذلك كون الشورى هي دعامة الحكم في الإسلام، وأنّ ولاية الأمر إنما هي مسئولية، وأنّ استمداد الرئاسة العليا إنما يكون من البيعة العامة. كما يستدلون بحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة([9])، وبالأمر بطاعة أولى الأمر([10])، وهم –عندهم- جماعة العقد والحل، الذين هم ممثلوا الأمة: وهم "الأمراء" (أي الولاة) والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة, فكون هؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا كل ذلك دليل على أنّ السيادة حق مكفول للأمة"([11]).

وقد تزعم الرأي الثاني القائل بنسبة السيادة لله وحده، العلامةُ أبو الأعلى المودودي (رحمه الله) وفحواه أنّ السيادة والحاكمية والتشريع في الدولة الإسلاميّة إنّما هي حق لله تعالى وحده، وأنّ الحكومة الإسلامية لا يمكن أن تكون ديمقراطية بالمعنى الغربي باعتبار أنّها (أي الديمقراطيّة) بهذا المعنى تدعوا إلى توسيد السيادة المطلقة للشعب على مقرراته التشريعية والسياسيّة  على السواء، وهو يرى أنّها بذا تكون بعيدةً عن الفكر السياسي الإسلامي. كما أنها (الحكومة الإسلامية) غير ثيوقراطية بذات المعنى الغربي، الذي تتحكم فيه طائفة من السدنة برقاب النّاس دون وازع من دين صحيح أو حتى من خلق، وهو يرى أنّ الحكومة الإسلاميّة ذات طابع ثيوقراطيّ من جانب، وديمقراطيّ من جانب آخر، لكن كلا النوعين من طراز خاص([12]).

ومع أنّ الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهور نظرية السيادة بوجه عام ونظرية أو مبدأ سيادة الأمة بوجه خاص ظروف خاصة بالمجتمع الغربي، الذي مثلت النظرية السيادية فيه حلقةً من حلقات الكفاح الملكي من أجل مواجهة نفوذ كل من البابا والإمبراطور.

وقد كان هؤلاء الملوك حين كانوا يدّعون- قبل عصر الثورة الفرنسية- أنهم أصحاب السيادة كانوا يقيمون هذا الحق على أساس نظرية الحق أو التفويض "الإلهي" التي يقصد بها أن الملوك إنما استمدوا الحق في تلك السيادة (أو السلطة) من الله.

فيما لجأ فلاسفة الثورة الفرنسية ورجالها حين أرادوا مواجهة هؤلاء الملوك إلى ذات المبدأ لكن ليس من جهة كون الله تعالى خص به الملوك وإنما من باب أنّه تعالى فيما احتفظ لنفسه بالسيادة العامة خص الشعوب بسيادة خاصة تقرر بها مصائرها فيما عرف بنظرية "سيادة الأمة" والتي استخدمت كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الملوك، وضد نظرية الحق الإلهي التي يستندون إليها.

فقد استخدم مبدأ السيادة إذن كأحد معاول الهدم الرئيسة لمواجهة سلطة البابا الشمولية بحق الملوك الزمنيين، ثمّ أعيد طرحه ليكون مِعْول هدم لهذه الملكيات باعتبار أنّ التفويض الإلهي إنّما هو للأمة، وليس للملوك، وهو ما تأسست عليه الديمقراطيّات الحديثة. 

والحقيقة أنّه لا يصعب على الباحث أن يلحظ اتفاقاً بين الدّاعين إلى نظريّة السيادة([13]) سواء أكانت دعواهم لأجل توسيد السلطة المطلقة للكنيسة وللبابا، أو لإثبات حقّ للملوك أمام البابا والإمبراطور، أو حتّى لردّ هذا الحقّ، وصرفه عن الملوك إلى الأمّة، لا يصعب على الباحث أن يلحظ أنّ المسألة برمّتها لا تخرج عن حدود التفويض من صاحب السيادة الأصيل إلى آخرين، وأنّ النظريّة من مبدئها محكومة بأنّ الله تعالى هو السيّد المطلق.

وهذا في الحقيقة يهدم أصل الحديث عندنا في المسألة من الأساس فإذا أردنا أن نفيد من هذه النظريّة –وهي مفيدة فعلاً- فلن يعجزنا أن نثبت أنّ لله تعالى سلطة السيادة بالأصالة، كما لن يُجهدنا أنّ نتعرّف على الذين فوّض الله تعالى لهم القيام على هذا الحقّ، إذ الكنيسة عندنا غير موجودة والمسجد مؤسسة مدنيّة بالأساس إذ الفرق بين الديني والمدني يتمثّل في السريّة والخصوصيّة ولا شيء من ذلك عندنا، و

المزيد


الفصل أو التوزيع الضروري للسلطات

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل


الفصل أو التوزيع الضروري للسلطات


بقلم: د. علي عبد الحفيظ


-اندماج السلطة في العهدين النبويّ والراشد سببٌ لإشكاليّة مركزيّة في الفكر السياسي المسلم:

مع أنّ الدور الذي لعبته الخلافة الراشدة في حياة المسلمين، مثّل أضوأ أدوار الحكم الصالح، والولاية الناضجة، إلا أنّ نموذج الرشد هذا ولأسباب كان من الواجب تفهّمها تحوّل إلى إشكاليّة مركزيّة حين لم يلتفت المسلمون لوجوب التسليم بخصوصيّة هذا اللون من الحكم، وخصوصيّة هذا الظرف من التاريخ، وخصوصيّة تلك الطبيعة من الاجتماع، وتعذّر توفير ظرف مناسب لتكرار هذه الظروف الاستثنائيّة في الجملة عادة..

طان من الضروري أن يدرك المفكرون المسلمون منذ انقضاء حقبة الحكم الراشد وقيام الدولة الأموية، أنّ التحوّل إنّما هو لطبيعة الأشياء لا لضلال الأشياء، وأنّ ذلك النمط من الحياة ومن الحكم (الراشد) إنّما هو نمط فريد، وخاصّ جدّاً، وقد يستحيل تكراره، فضلاً عن الالتزام به، لكانوا توجّهوا لابتكار نظريّات سياسيّة في غاية التطوّر محكومة بفنّ الممكن لا بفنّ المأمول.

المشكلة أنّ هذا المأمول اكتسب بُعداً دينيّاً فصار التزاماً من قبل الجميع بطرح وحيد هو طرح "الخلافة" –مع استبقاء الصورة الراشدة في المخيلة- كنموذج يتمّ التنظير في إطاره، وبدلاً من التوجّه لمعالجة الواقع اندفع الفقهاء والمنظرون السياسيون المسلمون إلى الإصرار على ضرورة الاستمرار التاريخي لهذا النموذج!.

وعلى الرغم من أنّ الجميع قد أذعنوا لواقع التمايز بين نظامين مختلفين سارت عليهما الحكومات المسلمة وقرروا في مباحثهم([1]) وفي تناولهم للمسألة عمليّة فصلٍ وتمييز بين عصرين للممارسة السياسية: أولهما: كان على عهد النبوة والخلافة الراشدة. وثانيهما: عصر بداية تشكل السلطة الأموية الذي ابتعدت السلطة فيه عن صورة "الخلافة" النموذجية اعتماداً. على ذلك التغيير الذي يكاد يكون جذرياً في المفاهيم والممارسات السياسية([2]). فإنّ الحال –في مجال التنظير- بقي على ما هو عليه؟

كان هذا الانقلاب موضوع روايات كثيرة رويت عن النبي(r) متحدّثة عن هذا الانقلاب "الفتنة"، من ذلك ما رواه البخاري في كتاب الفتن، عن عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَرْوَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مَرْوَانُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مُلِّكُوا بِالشَّأْمِ فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ لَنَا عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ([3]).

ولعلّ هذا هو ما جعل ابن خلدون يشير إلى ما حدث بهذه التسمية الدالة على عنف الحدث: "انقلاب"، حين عنون أحد فصول "مقدمته" بعنوان: ‍"انقلاب الخلافة إلى ملك"([4]). ولعلّه أيضاً ما حَمَلَه على القول بأن "أكثر الأحكام السلطانية جائرة في الغالب؛ إذ العدل المحض هو في الخلافة الشرعية، قال: وهي قليلة اللّبث"!([5]).

وهو في هذا يستند  إلى الأثر القائل:"الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تعود مُلكاً عضوداً" !!! والذي رواه أحمد بن حنبل([6]) عَنْ سَفِينَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُلْكُ قَالَ سَفِينَةُ أَمْسِكْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه سَنَتَيْنِ وَخِلَافَةَ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه عَشْرَ سِنِينَ وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ رَضِي اللَّه عَنْه اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةً وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ سِتَّ سِنِينَ رَضِي اللَّه عَنْه.

ولهذا يعتبر ابن خلدون مفهومَ "الملك -على الحقيقة- لمن يستعبد الرعية… ولا يكون فوقه يد قاهرة"، أو سلطة يضبط سياسته وِفْقها. وما ذلك إلا لأنّ من مستلزمات الملك "التغلّب والقهر". وهذا، في رأيه، سرّ ذم القرآن للملك وللمرتبطين به، لما يتميزون به من "الإسراف في غير قصد، والتنكّب عن صراط الله"!([7]).

لا شكّ أنّ ابن خلدون يقصد بالملك هنا نمط الحكم غير الصالح، وقد ذمّ القرآن في الحقيقة الملك (طريقة الحكم) الشرقيّة خاصّاً النظام الفرعوني، وهو أشدّها بأساً وتسلطاً على المحكومين بوافر الذّمّ، لكنّه في ذات الوقت مدح أنماط الحكم الديمقراطي –دون الدخول في نقاشات اصطلاحية فارغة- جاعلاً من الشورى (أداة التوصل للقرار السياسي في النمط الديمقراطي، ورمز سيادة المحكومين) خصلة دينية ولازمة سياسية للجماعة المسلمة، واعتبر مخالفة قواعدها جريمة تستوجب العقاب الأخروي، وقد روى الدارميّ في كتاب المقدمة حديثاً مطولاً بين سليمان بن عبد الملك، وبين أبي حازم التابعي، لمّا سأله سُلَيْمَانُ: مَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟.. فقَالَ له أبو حازم: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ آبَاءَكَ قَهَرُوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْكَ عَنْوَةً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمسلمينَ وَلَا رِضَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً فَقَدِ ارْتَحَلُوا عَنْهَا فَلَوْ أُشْعِرْتَ مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ؟ (يعني ما لاقوه من العقاب بين يدي ربهم) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ قَالَ أَبُو حَازِمٍ كَذَبْتَ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ([8]).

على هذا لا يمكننا تفسير استمرار الإلحاح على استخدام مصطلح "الخلافة" في ظل هذا الوضع، إلا أن يكون نوعاً أو رمزاً على معاندة الفقيه والمفكر لهذا الانقلاب([9]) لكنّه عناد اتجه في الوجهة الخطأ واستغل الاستغلال الآثم، وما يزال كاتب السطور إلى اليوم يقرأ في مقدمات بعض الكتب المعاصرة وغير الغابرة كثيراً نعوت لبعض أعظم سفهاء القرن منعوتين –وتجوز قراءتها ملعونين- بهذا الوسم؟!.

لقد كان الشعور بالتغير والفساد ظاهراً منذ انتهت حقبة الحكم الراشد، وقد عاند أبو حنيفة حكومتي الأمويين والعباسيين كليهما واعتبرهما حكومتين فاسدتين وكان يفتي بعدم جواز إمامة الفاسق ولا خلافته، وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع من ذلك وحُبس. فلجّ ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً فلما خِيف عليه قال له الفقهاء: فتولّ شيئا من أعماله، أيَّ شيءٍ كان، حتى يزول عنك هذا الضرب، فتولَّى له عَدّ أحمال التبن الذي يدخل فخلّاه. ثم دعاه المنصور العباسي إلى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عَدّ له الَّلبِن الذي كان يُضرَب (يُصنع) لسور مدينة بغداد([10]).

ضرورة الإقرار بتفرّد النمط السياسي في عصر الراشدين:

الشائع بين المفكرين والفقهاء المسلمين في تصوّر الحكومة أنّها: الجهة النائبة عن النبيّ محمّد(r) في حراسة الدين، وإقامة الدنيا([11]). والمشكلة عندهم جميعاً هي تصوّر اجتماع الوظائف العامّة لهذه الجهة في شخص إنسان واحد يجمع من الصفات ما يؤهّله للقيام بهذه المسئوليّة الضخمة، وهو بيت الداء، وأصل الإشكال. وواضح أنّ ذلك كان عندهم من أثر ابتناء تصوّرهم للسلطة على أساس الظاهر من صورة السلطة العامّة على عهد الراشدين رضوان الله تعالى عليهم.

وإنّه لمن الغرائب اليوم أنْ نكون في حاجة لإطالة الأخذ والرّد في مسائل تحكمها البداهة؛ بحيث نكون اليوم بحاجة للتذكير بأنّ هناك خصوصية دينية وسياسيّة لا يمكن إغفالها ونحن نتحدّث عن حال الخلافة الراشدة؟ وعن الجماعة السياسيّة التي كانت تشكّلها؟ تلك الجماعة السياسيّة والدينيّة التي مثّلت ركيزة الإسلام، والتي تأكدت خصوصيّتها عبر الكثير من الآيات والأحاديث الشاهدة، ومن يرجع إلى كتب المناقب في مدونات الحديث الشريف سيجد فيها الغناء وفضلاً عن الخصوصيّة الدينيّة، أو بالأحرى فرعاً عنها وتكملة لها، هناك خصوصيّة سياسيّة تثبت لمجموعة من القادة الذين ورد النص باعتبارية تمثيلهم لهذا الدين فقهاً وخلقاً وسياسة كما جاءت الدعوة الدينية إلى حسن الاقتداء بهم في كلّ هذا([12]).

ولا أعتقد أننا بحاجة إلى تكرار التذكير بمقام الصدّيق، ومن جاء بعده، والتذكير بالنصوص الواردة في اتباع الراشدين وفي الاقتداء بهم، وفي الإجماع الثابت الذي تطابقت عليه الأجيال في انحصارهم في الأربعة، وتأويل الجماعة الإسلامية برمتها للنصّ غير المحدِّد –الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، واللفظ للأول عن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، وفيه فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ([13])- بهؤلاء الأربعة، وعدم وقوع خرق لهذا الانحصار بادعاء الرشد لأحد بعدهم حتّى في أشد حالات الانحطاط السياسي التي أبقت على ادعاء الخلافة –كذباً، وتطاولاً على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وعلى مقام الخلفاء عليهم السلام- لكنها لم تجرؤ على تجاوزه ناحية الرشد بحال، اللهمّ في التلميحات المتملقة التي لا كبير أثر لها، ولا إشكال هنا في شيوع انضمام عمر بن عبد العزيز لهم فقد وقع بعد وفاته ولقي من شيوع القبول ما لا يدخل في الإشكال مع استصحاب احتمال أن يكون ذلك إنّما هو على سبيل تعزية الذات بعد إذ لم يمكث في منصبه إلا الزمن اليسير.

وقد جاء التخصيص في الشيخين محدداً قاطعاً، فقد روى الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". قَالَ أَبو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ([14]).

هذه الرشديّة التي تشمل كلا الأمرين السياسي والديني على السواء([15]) كان ينبغي بداهة أن يفهم من خلالها وجود امتياز خاص لا ينبغي إسناده أو القياس عليه لصالح أحد آخر اللهمّ إلا أن تثبت له خصوصيّة ما، وهو ما كان ينبغي إبعاد التفكير به عن التعميم، فإذا كان ذلك كذلك وقضت البداهة به فلسنا نعرف إلى الآن ما الذي أوقع المسلمين في شرك قياس العام على الخاص والتسوية بين غير المتساويين؟.

امتناع تكرار تجربة الراشدين غير مقصور على مسألة تفرّد الراشدين أنفسهم بالخصوصيّة:

الحديث عن صعوبة وربما استحالة تكرار تجربة الراشدين السياسية تجاوز التسليم بفكرة تفرّد ذلك الجيل الفريد -على حدّ تعبير الأستاذ سيد قطب(رحمه الله)- إلى التسليم بأنّ الخصوصية شملت تفرّداً سياسياً يكاد يتعذر تكراره هو الآخر، فالجماعة الإسلاميّة التي كانت تعيش طور الدولة المدينة حتّى بعد الفتوحات، والتي كانت تدين لقادتها بالخصوصية الدينية والسياسية والأخلاقيّة على السواء مع توفّر التسليم العام بعدالة هؤلاء القادة وصفاء سريرتهم وبالجملة الإيمان الشامل بنقائهم ظاهراً وباطناً. كلّ ذلك يكاد يصعب أو يكاد يستحيل تكراره لأيّة جماعة سياسيّة غير تلك الجماعة.

إهمال الفقيه والمفكر لخصوصية هذا البدء، ومعاندته في الإصرار على ابتناء تنظيره عليه شيء يصعب التماس العذر له، اللّهمّ إلا بأن نأخذ بالاعتبار حجم الصدمة التي انتابت الجميع: الفقيه والعاميّ والمفكر من جرّاء ما حدث للمشروع السياسي الإسلامي بعد أقلّ من نصف قرن، وما صحبه من أحداث الفتنة الكبرى التي حفرت في ذاكرة الأمّة ما يصعب عليها نسيانه.

المطالبة بالكمال السياسي المؤسس على صورة الخلافة الراشدة جنوح غير مبرر؟

من أكثر الأفكار إثارة للعجب على قدر انتشارها الغريب في الطرح المسلم، وشيوع القناعة بها وتكرارها حتّى ممن لا ينبغي لأمثالهم قبولها، فكرة وجود "القائد الكامل القادر على إقامة الدين والدنيا"، والتي يبدوا أنّها كانت أكبر من أن يقف لمناقشتها واحد مثل ابن خلدون، فتراه يعلل طلب الاجتهاد المطلق في الحاكم –وهو شرط مستحيل أصلاً على غير الراشدين وربّما عليهم هم أنفسهم فإنّنا نعتقد بما يقترب من القطع بأنّهم –وإن كانوا على حال أفضل ممن لحق بهم- فإنّهم لم يكونوا على هذه الشروط المتعسّفة وغير المعقولة التي سُردت كشرط فيمن يكون حاكماً، وأولها أن يكون مجتهداً مطلقاً، بدليل أنّ كلّ من كتب في أدب الفتوى وتحدّث عن التمذهب رفض التمذهب بالصحابة، معللاً بأنّ الأحاديث لم تكن قد جمعت على عهدهم ليتمكنوا من النظر فيها مجموعة؟

ابن خلدون بدلاً من أن يناقش هذا الطلب ليبين السبب

المزيد


الشورى آلية التداول في شئون الدولة المسلمة

أغسطس 5th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل

الشورى آلية التداول في شئون الدولة المسلمة

تدلّ الشورى في اللغة: على معنى الاستخراج المرتبط بما هو جيّدٌ. وفي الرأي على عمليّة الاستصلاح([1]). وهي في القرار السياسي آليّة للتداول في التوصّل للأصلح في إطار فنّ الممكن، ولا يقبل فيها سياسياً غير معنى الإلزام، لعبثية غيره من المعاني.

 وقد ضمّت آيات سورة الشورى من الدلالات ما المعنيون بحاجة للوقوف أمام مراميه طويلاً، فإشارة السورة إلى التشريع وأنّه إنما يطلق على تشريع الدين([2]). ثم تقرير قضية الشورى وكأنها مسألة مفصلية واختياراً يكاد يكون عقدياً –بالمعنى السياسي- للجماعة المسلمة{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}([3]).. ثمّ تسمية السورة به، فهل في التفرقة بين الأمر الديني والأمر الشوريّ  إشارة إلى فرق ينبغي أن يُلتفت إليه بين ما هو ديني ثابت مقصور الكلام فيه على الواحد الأحد(سبحانه وتعالى)، وبين ما هو سياسي يكون محلاً للشورى التي ينبغي أن تحل في كل أمر سياسي محلّ النصّ الديني؟. فإذا ضممنا إلى هذا الآيةَ الشهيرة من سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}([4]). تبيَّن أنّ محلّ المشاورة والطاعة المقصود هو الأمر العام. ومصطلح " الأمر " هنا في القران يعني أمور السياسة وشؤون الحكم ومشكلاته- وكذلك حاله في الأدب السياسي لعصر الخلافة الراشدة- وذلك لعلاقته " بالائتمار" و"الأمير" و"الائتمار" يعني: التشاور.. فالصلة وثيقة, بل عضوية, بين السياسة والشورى. وعلى العكس من ذلك علاقة الشورى بأمور الدين, وخاصة أصوله, فهي منقطعة.. فالدين وضع إلهي, نقبله, ونتعبد بتكاليفه, مسلمين الوجه لله.. بينما السياسة أمور نأتمر ونتآمر معاً في قضاياها، يؤكد هذا المعنى السياقُ الذي عرض فيه القرآن الكريم لمصطلح الشورى؛ ذلك أنه قد جعل منها إحدى الصفات التي تميز المؤمنين , فهو يعدد صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فيقول: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}([5]).. ففي الجانب الديني: استجابوا لله فآمنوا به, ثم أقاموا الصلاة تصديقاً ودلالة على هذا الإيمان، وفي أمورهم, أي سياستهم وشؤونهم الدنيوية: التزموا الشورى كفلسفة وسلوك، وفي الأموال: سلكوا طريق الإنفاق, بعد أن اقتصروا في الكسب على(ما رزقناهم), أي الكسب المشروع والحلال([6]).

"فالشورى التي تمثل فلسفة نظام الحكم في الدولة الإسلامية وهي الفلسفة التي استقرت منذ عصر النبي(r), ودعا إليها القرآن الكريم والسنة النبوية, كمبدأ عام ونهج كلي.. إنما كانت اختيارا إسلاميا, انحازت به الرسالة الخاتمة للدين الصحيح النسبة لله تعالى لأفضل ما عرفه التراث الإنساني في السياسة ونظم الحكم, كما كانت تطويراً لهذا التراث انتقل به من ميدان الفكر السياسي الإنساني إلى حيث صبغه بصبغة الدين, إذ غدت الشورى فلسفة السياسة المحققة لإرادة الله تعالى، فضلاً عن تحقيقها لمصالح الناس.. فهي وحدها إرادة الله في السياسة, وما عداها من تفاصيل ونظم قد ترك لإرادة الناس, شريطة أن تحقق هذه التفاصيل والنظم القدر الأكبر من إرادة المحكومين, أي القدر الأكبر من الشورى([7]).

والتراث السياسي لدولة الرسول, في المدينة, حافل بالنماذج التي تجسد الشورى, كفلسفة في السياسة, فكل قراراته السياسية والحربية كانت خاضعة للتشاور, وكثيراً ما عَدَل عن رأيه عندما كشفت المشاورة عن خطئه, وكثيراً ما سأله صحابته عن رأيه أو موقفه :أَوَحْيٌ هو أم رأي؟.. فإن قال لهم : انه الرأي.. قدموا ما عندهم, وكانت الشورى سبيلاً لتعديل الرأي أو الموقف.. كما يبرز لنا في تراث هذه الفترة تلك التوجيهات التي قصد الرسول(r) بها أن يعلم صحابته السلوك الشوريّ في إدارة أمور الحرب والسياسة.   

ولا يمكن أن يقال إن النبي (r) كان يتصرف في كل حال سياسي باعتباره نبياً معلَّما مرسلاً؛ لأن ذلك هدر لقيمة ما عاناه وجهد فيه، ولا شك أن تصرفاته السياسية كمسئول ورئيس دولة كانت الأكثر والأغلب الأعم في كل ما عرض له من أمور سياسية، أكثر منها كتصرفات نبوية، ولقد كان بنبوته ورؤياه الحقة يعلم أن الخروج في يوم أحد ليس كالبقاء، لكنه خرج فماذا أخرجه إذن؟ جهة النبوة أم واجب الرئيس في الخضوع لرأي الجماعة ما لم تكن مخالفة لمراد قطعي لله تعالى.

نعم إن نبوته(r) كانت ماثلة كاملة في كل هذا لكن هدي السماء(r) أجمع أمره على أن تسير الأمور السياسية على هذا النحو فما كان القرار السياسي في عهده(r) يخرج عن دائرة رجال الدولة إلا لأمر دينيّ صِرف لا يمكن المحيد عنه، ولذا خالف المجموع في الحديبية. مع أنه وافقهم في أحد. وقد دعا الإسلام لأن يكون الناس على قدم المساواة في الشئون العامة، مع تقديم من حقه التقديم منهم سياسة لا ديناً ولذا نزل الرسول(r) على آراء غيره السياسية طالما ثبتت وجاهتها، وتنازل عن رأيه حين لم يكن من الناحية العملية أو السياسية الأكثر صواباً بين الآراء.

أمّا ما أوردوه من قول الإمام الطبري، رحمه الله ممّا جاء في تأويل قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}([8]). قال الطبري: "إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألّفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما هو صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يُعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مُستنين بفعله في ذلك، على تصادق وتآخ([9]) للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مُسددهم وموفقهم. قال: وأما قوله{ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها…([10])!.

وكذلك ما أوردوه من قول الحافظ ابن كثير في تفسير قول الله تعالى في سورة الشورى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}([11]) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه في الحروب ونحوها ليطيّب بذلك قلوبهم.. ([12]).

فهذا كلّه متخرّج على الجملة على ما ذكرناه في الفقرتين قبله، بما لا يحتاج معهما لخصوص بيان آخر إذ لم يخرج الجميع على حدّ أنّ ما كان أمراً من عند الله تعالى فإنّه تجب طاعته، لكنني لا أعتقد أنّ الجميع سيرون رأياً آخر في أنّ ديدن الشارع أن لا يأمر حيث يكون الموضوع في إطار السياسة، بل المعلوم من شأن الشارع الحكيم سبحانه أنْ يكل المسائل السياسيّة لجهدهم البشري، ولا يكون التدخّل إلا بقدر، ألا ترى أنّه لو لم يتدخّل -فيما اتكأوا عليه- فيما حصل في الحديبية لأصاب المؤمنين بعدم هذا التدخّل غمٌّ عظيم بقتلهم إخواناً لهم من دون جريرة إلا أنّهم قوم مستضعفون لا يقدرون على الإعلان بدينهم؟.

إنّ اتكاءهم على عقد الصلح يوم الحديبية وأنّه تمّ من دون النظر إلى رضا الجماعة الإسلاميّة من سخطها مع أنه من الأمور الدنيوية التي ينبغي فيها إذا كانت الشورى ملزمة أن يكون القرار فيها للجماعة فهذا لعمري كلام لا يهدي إلا إلى الحيرة أفلا نظروا إلى الذي خرق القرار هنا أهو محمّد(r) بنفسه، أو أنّه صاحب السيادة بالأصالة وهو الله تعالى، وهو الوحيد الذي تندفع سيادة الأمّة على الشأن السياسي به، ولا يسوغ ذلك إلا في حياة النبيّ(r) حال اتصال الوحي. وهو دليل على إلزاميّة الشورى لا على عدم إلزاميتها فالأمّة نائبة عن الله ولا يعطّل نيابتها في السيادة إلا أن تعود السيادة لصاحبها الأصيل سبحانه.

ثمّ ألا يراقب المعاندون حاله(r) ويروا إن كان في الجملة مأموراً في إدارته للشأن السياسيّ بالوحي أو أنّ الوحي نفسه نبّهه إلى أنْ يجتهد مع الأصحاب رأيه ويُنفذ قراره متحمّلاً تبعته وكانت سمة الوحي ألا يتدخّل إلا لظرف طارئ لا علم للنّاس به، وهذا شأن عصر اتصال الوحي وتلك خصوصيّته لكنّها تبقى على العموم حتّى في العصر المخصوص خصوصيّةً تندر لا لازمةً تتابع.

لقد كانت رسالة الشارع سبحانه في هذا واضحة التقطها الصحابة وفهموها جيّداً بحيث ترسّخ في الذهنيّة السياسيّة للأصحاب رضوان الله تعالى عليهم، الذين تعلموا من طول الدُّربة أنّ الشأن السياسيّ مدنيّ وأنّه موكل إليهم، وعلى هذا جهدوا جميعاً في الاعتراض على بنود المصالحة التي أجراها النبي(r) في الحديبية([13]) ولم يسلّموا أمرها له(صلوات الله تعالى وسلامه عليه) إلا بعد أنْ ترسّخ لديهم شعور بأنّ الأمر اليوم ليس على حالته الطبيعيّة وأنّ هناك تدخّلاً من السماء على غير المعتاد، ومع أنّ النبيّ(r) أظهر ضيقه وتبرّمه مما فعلوا من إلحاحهم على المعارضة، وعلى العصيان لأمره بالحلق إيذاناً بالانصراف عن العمرة، فإنّ القرآن لم يُشر لهذا الأمر على الإطلاق على جهة عدم موافقته على هذا الفهم السياسيّ للأصحاب في أنّ من حقّهم أن يُستأذنوا في إدارة الشأن المدنيّ الخاصّ بهم، وفي أن يعترضوا على الرئيس ولو على هذا النحو من الاعتراض.

القرآن الذي عُرف عنه التشدّد في إثبات المكانة اللائقة للرسول الأعظم ومطالبة النّاس بأن يُظهروا له ما هو جدير به من التوقير والاحترام، وهو الذي هدّد هناك بإحباط عمل من يرفعون أصواتهم عنده([14])، اكتفى هنا بتقرير مسألة التوقير من دون معاتبة، بل من دون تحديد([15]) ولم يشر من قريب أو بعيد لجهة كون أحد من الأصحاب قد أخطأ حين اجترأ على معارضته(r) غاية ما أشار إليه القرآن هو ما يمكن اعتباره –إذا جاز التعبير- اعتذاراً قرآنيّاً عن سلوك غير السبيل المعتاد في الشأن السياسيّ ببيان علّة هذا التصرّف وهدفه منه، والتوكيد على إرادة تطييب خاطرهم بهذا البيان في إيماء ظاهر إلى أنّه كان ليوافقهم على القتال لولا هذا السبب الذي لن يرضوا إذا علموا حقيقتة أن يدخلوا في معركة يتأذّى منها إخوان لهم مستضعفون، وها قد علموا السبب إذن فلتطب نفوسهم([16]).

القرآن الذي صبر على حادث الإفك نحواً من شهر –على اختلاف الروايات في ذلك- لم يصبر هنا إلا سويعات قليلة حتّى بيّن المسألة وجلاّها لأحقيّة النّاس في تطييب الخاطر، والترضية. فهل بعد هذا يريد مُريد أن يقول إنّ الشورى كانت تطييباً لا فعالية؟

وأمّا ما عوّلوا عليه من بعض تصرّفات الرّاشدين من ترك المشاورة([17])،

ومنه الكلام عن إنفاذ أبي بكر لبعث أسامة على خلاف رأي المستشارين، وهو إصرار معتمِد على النّص فلا سبيل للاعتماد عليه، ولم تكن هذه مشاورة بل كانت طلباً بتعديل قرار ولم يكن صاحب القرار هو أبو بكر؟.

ومنه ذكرهم إصراره(t) على قتال مانعي الزكاة (وقد سبق الحديث عنه)، فإنّه من أبرز صور النقاش السياسي الرّصين، ومن أبرز المواقف التي تؤصّل لوضع المبادئ السياسيّة العامّة في التاريخ السياسي المسلم، وهو مبدأ إثبات حقّ امتلاك الحكومة للسيادة على الإقليم الذي تحكمه من دون أن تكون هناك قوّة غيرها تنازعها هذا الحقّ، على ما سنثبته بإذن الله.

ومنه ذكرهم إصرار الفاروق(t) على عدم قسمة أرض السواد، وسيأتي الحديث عنه، وهو من أبرز صور مداولة القرار السياسي أيضاً.

ومنه ما ذكروه من استخلاف الصدّيق لأمير المؤمنين عمر(t) وأنّه يدل على عدم إلزامية الشورى (وهو مثال على خطورة الاستدلال بالجزئيّ على الكلّي، وهو مبدأ حاصله أنّ هناك من القضايا ما تثبت بوسائل كليّة وعندها لا يسوغ الحديث عن الروايات الجزئيّة وما تحتويه من دلالات، فمن غير السائغ في شأن تولية الصدّيق(t) الحديث عن السقيفة واستنطاق دلالاتها؛ إذ ليس من المعقول أن تكون السقيفة أوّل حدث يوجّه عقول الجماعة الإسلاميّة إلى ضرورة تنصيب رئيسٍ خل

المزيد


نماذج واجب الإشارة إليها عند استحضار صورة المشاورة الآمرة في التصرّف السياسي على عهده(صلى الله عليه

أغسطس 5th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , مقالات وكتابات مؤلف تيار بديل

نماذج واجب الإشارة إليها عند استحضار صورة المشاورة الآمرة في التصرّف السياسي على عهده(صلى الله عليه وسلم)

لا يوجد أكثر دلالة على أنّ هذا الشيء أو ذاك يمثّل لوناً من السمت الأصيل لدى هذه الجماعة أو تلك أكثر من التزام هذه الجماعة الأخذ به في الحوادث الكبرى من حياتها، وقد كانت الجماعة الإسلامية حريصة على التزام المشاورة فيما بينها في أشدّ اللحظات التي كانت تهددت وجود الجماعة بالأصل، وفي جميع هذه الأحداث نرى الرسول الخاتم صلّى الله عليه وسلّم وهو يمثل رئيس الجماعة السياسي يلتزم المشاورة والرجوع إلى الجماعة بمؤمنيها ومنافقيها؟، يعود إلى أهل العقد والحل المُبَرّزِين، ويلتزم رأيهم.

- مشاورات غزوة بدر([1]):

لما أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشام بتجارة للمكيين -وكانوا قد صادروا أموال وعقارات الصحابة حين هاجروا- ندب المسلمين إليه، فسار في نحو ثلاثمائة من أصحابه، وقد ظن الناس بأجمعهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حرباً فلم يكثر استعدادهم.

وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر له الناس فحَذِر عند ذلك وأرسل إلى قريش، ثمّ لمّا رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم وقد نجاهما الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدراً -وكان بدرٌ موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق- فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب مسيرنا وجمعنا.

التزام رئيس الدولة باحترام التعاقدات السياسية ذات الطابع التأسيسي:

خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وأتاه الخبر عن قريش، فلما تيقن بمسير القوم إليه استشار(r) الناس فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام "عمر" فقال فأحسن، ثم قام "المقداد بن عمرو"([2]) فقال يا رسول الله امض لما أنت ماض إليه فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل "يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ"([3])، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون والذي بعثك بالحق لو سرت إلى "برك الغماد"([4]) لجالدنا معك، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير. ثم قال: أشيروا عليّ أيها الناس يريد الأنصار وذلك أنهم عدد الناس([5]) وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنّا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإن وصلت إلينا فأنت في ذممنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى أنَّ عليها نصرته إلا بالمدينة وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّمه "سعد بن معاذ"([6]) وقيل: "سعد بن عبادة"([7]) ويمكن أنّهما تكلما جميعا في ذلك اليوم فقال: يا رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل فقال سعد: "قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا بما جئت به أنه الحق، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا والطاعة، فامض بنا يا نبي الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحقّ لو استعرضت هذا البحر وخضته بنا لخضناه معك ما بقى منا رجل، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إننا لصُبر عند الحرب صُدق عند اللقاء لعل الله يريك منا بعض ما تقر به" فسرّ بذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ثم رحل بالمسلمين وقال لهم سيروا على بركة الله فإنه قد وعدني إحدى الطائفتين فكأني أنظر إلى مصارع القوم.

الرأي السياسي والعسكري موكول للأعلم به:

مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشاً إلى ماء بدر، فنزل على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فلما كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم، استوقفه "الحباب ابن المنذر بن عمرو بن الجموح"([8]) أحد بنى سلمة، وقال له يا رسول الله: أرأيت إلى هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله إن هذا ليس لك بمنزل فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونغوّر ما وراءه من القُلُب([9]) ثم نبني عليه حوضاً فنملأه فنشرب ولا يشربون، فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه وقال: قد أشرت بالرأي ثم نهض صلى الله عليه وسلم وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل وبنى حوضا على القليب وقذفوا فيه الآنية ثم أمر بالقُلُب فغُوِّرَت.

متابعة إسناد الأمر لذوي الرأي:

ثمّ إنّ "سعد بن معاذ" قال يا نبي الله: ألا نجعل لك عريشاً تكون فيه ونَعُدُّ عندَك ركائبَك ثم نلقى عدوَّنا فان أعزّنا اللهُ وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كان علينا يا نبي الله جلستَ على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام، وما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وبُنى له عريشٌ، فقعد فيه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وأبو بكر، ثم التقى الفريقان فنصر الله نبيه والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم الله للمؤمنين منهم وشفى صدر رسوله وصدر أصحابه عليهم السلام([10]).

-مشاورات أحد([11]):

الالتزام برأي الأكثريّة:

قصد المشركون المدينة في ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر فنزلوا عند "أُحد" مقابل المدينة فأقاموا هنالك، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون أنّهم نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني قد رأيت بقراً فأولتها خيراً ورأيت في ذبابة سيفي ثُلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة([12]) فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتَدَعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. فلم يزل الناس برسول الله  صلى الله عليه وسلم حتى دخل صلى الله عليه وسلم، فلبس لَأْمَته([13]) ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن ذلك لنا. فلما خرج عليهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قالوا يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لَأْمَته أن يضعها حتى يقاتل.

التوقف عند الالتزامات التأسيسيّة، وعدم محاسبة عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول حين رجع بقوّاته:

كان رأي عبد الله بن أُبيّ بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى ألا يخرج إليهم، فلمّا ألحّت عليه صلى الله عليه وسلم الغالبيّةُ بالخروج قائلين: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنَّا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قطُّ إلا أصاب منّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعْهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلمّا جمع صلى الله عليه وسلم أمره على الخروج إجابة لرأي الجماعة صلى الجمعة في ألف رجل من أصحابه ثمّ خرج، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس([14]).

ومع أنّ هذا موقف لا تقبله الدولة النظاميّة،. فلم يُعلم أنّه(صلى الله عليه وسلم) سعى لمعاقبة أحد من المنخزلين على عكس الموقف حين بدأت القواعد الدستوريّة التأسيسية للدولة تتغيّر تغيّراً متعمَّداً مدعوماً من السماء، على نحو ما أشرنا إليه في حديثنا عن تطوّر النظام التأسيسيّ للدولة بعد الفتح، وعلى حاله المتطوّر عوقب الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة العسرة([15])، كما سُئل المتخلّفون عنها بالجملة من غير استحضار لمسألة التنوّع الطائفي التي أضحى التوجّه الجديد للنظام السياسي الإسلاميّ متوجّهاً ناحية إقصائها([16])، وهو ما سنفصّل القول فيه في متابعتنا لما حصل في غزوة بني قريظة بإذن الله.

مشاورات الخندق([17]).

كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة من هجرة النبي(r) وكان الذي جرّ إليها -فيما قيل- ما كان من إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير عن ديارهم، فكان أن حزّب نفرٌ من اليهود منهم "سلام بن أبي الحقيق النضري"([18]) و"حيي بن أخطب النضري"([19]) الأحزابَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكةَ فدعوهم إلى حرب رسول الله  صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وقالوا لهم: "دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه"، وما زالوا بهم حتى نشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك واتَّعدوا له. ثم خرج أولئك النفر حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا تابعوهم على ذلك فأجابوهم.

متابعة صرف القول في السياسة وفنون الحرب، للأعلم بهما:

لما سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالقوم، وبما أجمعوا له من الأمر، استشار الناس فكان أنْ أشار عليه سلمان -وكانت هذه أول وقعة يشهدها سلمان مع رسول الله (r) وهو حر- بقوله: يا رسول الله، إنّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فاستحسن ذلك صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من الجِدَة والمفاجأة لقريش ولمن ساندها؛ إذ كان مما لم تعتده العرب في الحرب، فخط رسول الله  صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم قطعه كل أربعين ذراعا يعمل فيها عشرة من المهاجرون والأنصار، وعمِل رسول الله  صلى الله عليه وسلم في الحفر بنفسه ترغيبا للمسلمين في الأجر.

رئيس الدولة لا يحقّ له التصرّف في ممتلكاتها إلا بإذن أهل العقد والحلّ:

المزيد