الشورى آلية التداول في شئون الدولة المسلمة
تدلّ الشورى في اللغة: على معنى الاستخراج المرتبط بما هو جيّدٌ. وفي الرأي على عمليّة الاستصلاح([1]). وهي في القرار السياسي آليّة للتداول في التوصّل للأصلح في إطار فنّ الممكن، ولا يقبل فيها سياسياً غير معنى الإلزام، لعبثية غيره من المعاني.
وقد ضمّت آيات سورة الشورى من الدلالات ما المعنيون بحاجة للوقوف أمام مراميه طويلاً، فإشارة السورة إلى التشريع وأنّه إنما يطلق على تشريع الدين([2]). ثم تقرير قضية الشورى وكأنها مسألة مفصلية واختياراً يكاد يكون عقدياً –بالمعنى السياسي- للجماعة المسلمة{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}([3]).. ثمّ تسمية السورة به، فهل في التفرقة بين الأمر الديني والأمر الشوريّ إشارة إلى فرق ينبغي أن يُلتفت إليه بين ما هو ديني ثابت مقصور الكلام فيه على الواحد الأحد(سبحانه وتعالى)، وبين ما هو سياسي يكون محلاً للشورى التي ينبغي أن تحل في كل أمر سياسي محلّ النصّ الديني؟. فإذا ضممنا إلى هذا الآيةَ الشهيرة من سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}([4]). تبيَّن أنّ محلّ المشاورة والطاعة المقصود هو الأمر العام. ومصطلح " الأمر " هنا في القران يعني أمور السياسة وشؤون الحكم ومشكلاته- وكذلك حاله في الأدب السياسي لعصر الخلافة الراشدة- وذلك لعلاقته " بالائتمار" و"الأمير" و"الائتمار" يعني: التشاور.. فالصلة وثيقة, بل عضوية, بين السياسة والشورى. وعلى العكس من ذلك علاقة الشورى بأمور الدين, وخاصة أصوله, فهي منقطعة.. فالدين وضع إلهي, نقبله, ونتعبد بتكاليفه, مسلمين الوجه لله.. بينما السياسة أمور نأتمر ونتآمر معاً في قضاياها، يؤكد هذا المعنى السياقُ الذي عرض فيه القرآن الكريم لمصطلح الشورى؛ ذلك أنه قد جعل منها إحدى الصفات التي تميز المؤمنين , فهو يعدد صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فيقول: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}([5]).. ففي الجانب الديني: استجابوا لله فآمنوا به, ثم أقاموا الصلاة تصديقاً ودلالة على هذا الإيمان، وفي أمورهم, أي سياستهم وشؤونهم الدنيوية: التزموا الشورى كفلسفة وسلوك، وفي الأموال: سلكوا طريق الإنفاق, بعد أن اقتصروا في الكسب على(ما رزقناهم), أي الكسب المشروع والحلال([6]).
"فالشورى التي تمثل فلسفة نظام الحكم في الدولة الإسلامية وهي الفلسفة التي استقرت منذ عصر النبي(r), ودعا إليها القرآن الكريم والسنة النبوية, كمبدأ عام ونهج كلي.. إنما كانت اختيارا إسلاميا, انحازت به الرسالة الخاتمة للدين الصحيح النسبة لله تعالى لأفضل ما عرفه التراث الإنساني في السياسة ونظم الحكم, كما كانت تطويراً لهذا التراث انتقل به من ميدان الفكر السياسي الإنساني إلى حيث صبغه بصبغة الدين, إذ غدت الشورى فلسفة السياسة المحققة لإرادة الله تعالى، فضلاً عن تحقيقها لمصالح الناس.. فهي وحدها إرادة الله في السياسة, وما عداها من تفاصيل ونظم قد ترك لإرادة الناس, شريطة أن تحقق هذه التفاصيل والنظم القدر الأكبر من إرادة المحكومين, أي القدر الأكبر من الشورى([7]).
والتراث السياسي لدولة الرسول, في المدينة, حافل بالنماذج التي تجسد الشورى, كفلسفة في السياسة, فكل قراراته السياسية والحربية كانت خاضعة للتشاور, وكثيراً ما عَدَل عن رأيه عندما كشفت المشاورة عن خطئه, وكثيراً ما سأله صحابته عن رأيه أو موقفه :أَوَحْيٌ هو أم رأي؟.. فإن قال لهم : انه الرأي.. قدموا ما عندهم, وكانت الشورى سبيلاً لتعديل الرأي أو الموقف.. كما يبرز لنا في تراث هذه الفترة تلك التوجيهات التي قصد الرسول(r) بها أن يعلم صحابته السلوك الشوريّ في إدارة أمور الحرب والسياسة.
ولا يمكن أن يقال إن النبي (r) كان يتصرف في كل حال سياسي باعتباره نبياً معلَّما مرسلاً؛ لأن ذلك هدر لقيمة ما عاناه وجهد فيه، ولا شك أن تصرفاته السياسية كمسئول ورئيس دولة كانت الأكثر والأغلب الأعم في كل ما عرض له من أمور سياسية، أكثر منها كتصرفات نبوية، ولقد كان بنبوته ورؤياه الحقة يعلم أن الخروج في يوم أحد ليس كالبقاء، لكنه خرج فماذا أخرجه إذن؟ جهة النبوة أم واجب الرئيس في الخضوع لرأي الجماعة ما لم تكن مخالفة لمراد قطعي لله تعالى.
نعم إن نبوته(r) كانت ماثلة كاملة في كل هذا لكن هدي السماء(r) أجمع أمره على أن تسير الأمور السياسية على هذا النحو فما كان القرار السياسي في عهده(r) يخرج عن دائرة رجال الدولة إلا لأمر دينيّ صِرف لا يمكن المحيد عنه، ولذا خالف المجموع في الحديبية. مع أنه وافقهم في أحد. وقد دعا الإسلام لأن يكون الناس على قدم المساواة في الشئون العامة، مع تقديم من حقه التقديم منهم سياسة لا ديناً ولذا نزل الرسول(r) على آراء غيره السياسية طالما ثبتت وجاهتها، وتنازل عن رأيه حين لم يكن من الناحية العملية أو السياسية الأكثر صواباً بين الآراء.
أمّا ما أوردوه من قول الإمام الطبري، رحمه الله ممّا جاء في تأويل قوله تعالى في سورة آل عمران: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}([8]). قال الطبري: "إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألّفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما هو صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يُعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مُستنين بفعله في ذلك، على تصادق وتآخ([9]) للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مُسددهم وموفقهم. قال: وأما قوله{ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها…([10])!.
وكذلك ما أوردوه من قول الحافظ ابن كثير في تفسير قول الله تعالى في سورة الشورى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}([11]) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور أصحابه في الحروب ونحوها ليطيّب بذلك قلوبهم.. ([12]).
فهذا كلّه متخرّج على الجملة على ما ذكرناه في الفقرتين قبله، بما لا يحتاج معهما لخصوص بيان آخر إذ لم يخرج الجميع على حدّ أنّ ما كان أمراً من عند الله تعالى فإنّه تجب طاعته، لكنني لا أعتقد أنّ الجميع سيرون رأياً آخر في أنّ ديدن الشارع أن لا يأمر حيث يكون الموضوع في إطار السياسة، بل المعلوم من شأن الشارع الحكيم سبحانه أنْ يكل المسائل السياسيّة لجهدهم البشري، ولا يكون التدخّل إلا بقدر، ألا ترى أنّه لو لم يتدخّل -فيما اتكأوا عليه- فيما حصل في الحديبية لأصاب المؤمنين بعدم هذا التدخّل غمٌّ عظيم بقتلهم إخواناً لهم من دون جريرة إلا أنّهم قوم مستضعفون لا يقدرون على الإعلان بدينهم؟.
إنّ اتكاءهم على عقد الصلح يوم الحديبية وأنّه تمّ من دون النظر إلى رضا الجماعة الإسلاميّة من سخطها مع أنه من الأمور الدنيوية التي ينبغي فيها إذا كانت الشورى ملزمة أن يكون القرار فيها للجماعة فهذا لعمري كلام لا يهدي إلا إلى الحيرة أفلا نظروا إلى الذي خرق القرار هنا أهو محمّد(r) بنفسه، أو أنّه صاحب السيادة بالأصالة وهو الله تعالى، وهو الوحيد الذي تندفع سيادة الأمّة على الشأن السياسي به، ولا يسوغ ذلك إلا في حياة النبيّ(r) حال اتصال الوحي. وهو دليل على إلزاميّة الشورى لا على عدم إلزاميتها فالأمّة نائبة عن الله ولا يعطّل نيابتها في السيادة إلا أن تعود السيادة لصاحبها الأصيل سبحانه.
ثمّ ألا يراقب المعاندون حاله(r) ويروا إن كان في الجملة مأموراً في إدارته للشأن السياسيّ بالوحي أو أنّ الوحي نفسه نبّهه إلى أنْ يجتهد مع الأصحاب رأيه ويُنفذ قراره متحمّلاً تبعته وكانت سمة الوحي ألا يتدخّل إلا لظرف طارئ لا علم للنّاس به، وهذا شأن عصر اتصال الوحي وتلك خصوصيّته لكنّها تبقى على العموم حتّى في العصر المخصوص خصوصيّةً تندر لا لازمةً تتابع.
لقد كانت رسالة الشارع سبحانه في هذا واضحة التقطها الصحابة وفهموها جيّداً بحيث ترسّخ في الذهنيّة السياسيّة للأصحاب رضوان الله تعالى عليهم، الذين تعلموا من طول الدُّربة أنّ الشأن السياسيّ مدنيّ وأنّه موكل إليهم، وعلى هذا جهدوا جميعاً في الاعتراض على بنود المصالحة التي أجراها النبي(r) في الحديبية([13]) ولم يسلّموا أمرها له(صلوات الله تعالى وسلامه عليه) إلا بعد أنْ ترسّخ لديهم شعور بأنّ الأمر اليوم ليس على حالته الطبيعيّة وأنّ هناك تدخّلاً من السماء على غير المعتاد، ومع أنّ النبيّ(r) أظهر ضيقه وتبرّمه مما فعلوا من إلحاحهم على المعارضة، وعلى العصيان لأمره بالحلق إيذاناً بالانصراف عن العمرة، فإنّ القرآن لم يُشر لهذا الأمر على الإطلاق على جهة عدم موافقته على هذا الفهم السياسيّ للأصحاب في أنّ من حقّهم أن يُستأذنوا في إدارة الشأن المدنيّ الخاصّ بهم، وفي أن يعترضوا على الرئيس ولو على هذا النحو من الاعتراض.
القرآن الذي عُرف عنه التشدّد في إثبات المكانة اللائقة للرسول الأعظم ومطالبة النّاس بأن يُظهروا له ما هو جدير به من التوقير والاحترام، وهو الذي هدّد هناك بإحباط عمل من يرفعون أصواتهم عنده([14])، اكتفى هنا بتقرير مسألة التوقير من دون معاتبة، بل من دون تحديد([15]) ولم يشر من قريب أو بعيد لجهة كون أحد من الأصحاب قد أخطأ حين اجترأ على معارضته(r) غاية ما أشار إليه القرآن هو ما يمكن اعتباره –إذا جاز التعبير- اعتذاراً قرآنيّاً عن سلوك غير السبيل المعتاد في الشأن السياسيّ ببيان علّة هذا التصرّف وهدفه منه، والتوكيد على إرادة تطييب خاطرهم بهذا البيان في إيماء ظاهر إلى أنّه كان ليوافقهم على القتال لولا هذا السبب الذي لن يرضوا إذا علموا حقيقتة أن يدخلوا في معركة يتأذّى منها إخوان لهم مستضعفون، وها قد علموا السبب إذن فلتطب نفوسهم([16]).
القرآن الذي صبر على حادث الإفك نحواً من شهر –على اختلاف الروايات في ذلك- لم يصبر هنا إلا سويعات قليلة حتّى بيّن المسألة وجلاّها لأحقيّة النّاس في تطييب الخاطر، والترضية. فهل بعد هذا يريد مُريد أن يقول إنّ الشورى كانت تطييباً لا فعالية؟
وأمّا ما عوّلوا عليه من بعض تصرّفات الرّاشدين من ترك المشاورة([17])،
ومنه الكلام عن إنفاذ أبي بكر لبعث أسامة على خلاف رأي المستشارين، وهو إصرار معتمِد على النّص فلا سبيل للاعتماد عليه، ولم تكن هذه مشاورة بل كانت طلباً بتعديل قرار ولم يكن صاحب القرار هو أبو بكر؟.
ومنه ذكرهم إصراره(t) على قتال مانعي الزكاة (وقد سبق الحديث عنه)، فإنّه من أبرز صور النقاش السياسي الرّصين، ومن أبرز المواقف التي تؤصّل لوضع المبادئ السياسيّة العامّة في التاريخ السياسي المسلم، وهو مبدأ إثبات حقّ امتلاك الحكومة للسيادة على الإقليم الذي تحكمه من دون أن تكون هناك قوّة غيرها تنازعها هذا الحقّ، على ما سنثبته بإذن الله.
ومنه ذكرهم إصرار الفاروق(t) على عدم قسمة أرض السواد، وسيأتي الحديث عنه، وهو من أبرز صور مداولة القرار السياسي أيضاً.
ومنه ما ذكروه من استخلاف الصدّيق لأمير المؤمنين عمر(t) وأنّه يدل على عدم إلزامية الشورى (وهو مثال على خطورة الاستدلال بالجزئيّ على الكلّي، وهو مبدأ حاصله أنّ هناك من القضايا ما تثبت بوسائل كليّة وعندها لا يسوغ الحديث عن الروايات الجزئيّة وما تحتويه من دلالات، فمن غير السائغ في شأن تولية الصدّيق(t) الحديث عن السقيفة واستنطاق دلالاتها؛ إذ ليس من المعقول أن تكون السقيفة أوّل حدث يوجّه عقول الجماعة الإسلاميّة إلى ضرورة تنصيب رئيسٍ خل
المزيد