قراءة في كتاب "التيار البديل
بقلم: عبد الله الطحاوي
"تيار بديل"، اسم كتاب وتيار كان لأصحابه علاقة تجمعهم بالإخوان، ثم انشقوا عنهم مؤخرا. والمعلومات المتاحة من داخل الإخوان تؤكد أن هؤلاء الفتية لم يدخلوا إلى الدعوة كافة، ولم ينغمسوا داخل تفاصيلها، ولكن الدكتور علي عبد الحفيظ مؤلف الكتاب وقائد الفتية والتيار "إخوان علي" أكد أنه وإخوانه خبروا الدعوة جيدا، ويكفي أن قائدهم سجن عاما ونصف مع الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، على إثر "لقاء" تواجدا فيه سويا في مدينة أسيوط.
والدكتور علي عبد الحفيظ من مواليد 1974م، خريج آداب سوهاج عام 1996 بمرتبة شرف، ومُنع تعيينه في آداب أسيوط وسوهاج، وعُين معيدا في كلية التربية بالوادي الجديد سنة 2001. حصل على الماجستير عن موضوع التفكير الفقهي عند الإمام النووي في كتابه "المجموع"، ثم اعتقل مع الدكتور محمد حبيب عاما ونصف، ثم خرج من السجن وطرح أفكاره الخاصة بتجديد الجماعة، وحصل على الدكتوراه في السلطة التشريعية في الفقه الدستوري.
لم يجد من الإخوان قبولا، ولا من نفسه تفهما لعدم استجابتهم، فانسحب من الجماعة ولزم بيته.
والكتاب هو حصيلة مدارسات - كما يقول صاحبها - تحاول الاقتراب من الظاهرة الإخوانية، وفكر الصحوة بشكل عام، وهي تحتوي على ثلاثة أقسام: أولها يتناول فقه الأزمة، والثاني عن الدولة ومكوناتها المدنية، والثالث ذو بعد إنساني يقترح فيه مشروع عالمي للسلام.
ما عرضه علي عبد الحفيظ في هذا الكتاب، هو – كما يقول - طرح تقدم به لقيادة جماعة "الإخوان المسلمين" في صيف 2005، بعد أن ناقش عناصره داخل الجماعة سنين، ولما لم يجد منهم قبولا، ولا من نفسه استعدادا لتفهم عدم استجابتهم، انسحب من الجماعة ولزم بيته ومكتبته.
النهوض التائه
القسم الأول من الكتاب حوى ثلاثة فصول، في الفصل الأول "النهوض التائه"، تحدث المؤلف عن مشروع النهضة وآبائه المؤسسين: الطهطاوي، والأفغاني، ومحمد عبده، معتبرا أن أسوأ ما يمس فكر الإخوان والحركة الإسلامية عموما هي فكرة الانفصال عن هؤلاء الآباء المؤسسين، حيث انشغلت هذه التيارات بأفكار هامشية عن فكرة النهضة.
ولاحظ عبد الحفيظ أن هؤلاء الآباء لم يكن لديهم أي إشكال في استقبال فكرة النهوض من الغرب، وكان لديهم انسجام بين أسسهم الفكرية والمستقدم الحضاري، وأن هذه المستقدمات التي نالت إعجابهم مثل التجربة الديمقراطية والنموذج السياسي، هي من أهم ما يجب الاستفادة بها من الغرب، حيث آمنوا أن لدينا افتقارا في البحث السياسي بشكل عام، رغم وجود تنظيرات جادة في هذا الشأن.
وأشار عبد الحفيظ إلى شجاعة هؤلاء المؤسسين الذين لم يصابوا بالهوس المرضي والخوف على الدين كما هو حادث اليوم، كأن آية الحفظ ما أنزلت، أو أن الدين تحول إلى لون من الكحول سهل الطيران!!.
ثم شرع عبد الحفيظ في إنشاء جدلية فكرية تتلاقى عندها تأسيسات الطهطاوي - باعتباره أبا للديمقراطية – مع خير الدين التونسي الذي حذر من رفض تجارب الأمم الأخرى لاسيما غير المسلمين، وينقل عنه قاعدته الذهبية أن "كل ما يؤول إلي خير الأمة من توسيع لحدود المعرفة وتوفير شروط الازدهار المدني إنما يتوافق مع الإسلام ومقاصده".
ثم نظر صاحب "تيار بديل" إلى الأفغاني بحسبانه رافع لواء تمكين الشعوب الإسلامية من إدارة حقوقهم السياسية والدستورية، من خلال الشورى والانتخاب، والإمام محمد عبده الذي كان من إحدى نتائجه أن يظهر التوافق بين الإسلام والفكر الحديث، وأن تتحول المصلحة إلى منطق، والشورى إلى ديمقراطية، وأن الإسلام كنظام هو مرادف للمدنية الحديثة.
وتحدث المؤلف عن الكواكبي معتبرا مقولته: "الاستبداد جرثومة كل فساد" مقولة تأسيسية، وأن التقدم مرتبط بالمحاسبة، والتخلف مرتبط بالفوضى. ثم مد المؤلف خيطا إلى الشيخ رشيد رضا بوصفه من أعاد الاعتبار للحقيقة الاعتقادية، والأصولية للتجديد، والتي ربما يجب أن تأخذ حضورها عند المسلمين، ولكن هذا الحضور لتحقيق هدف النهضة.
وهنا خلص المؤلف إلى نتيجة مهمة: أن إرادة التأسيس العربي انطلقت من بواعث النهوض الغربي، وهو الثورة والإصلاح الديني، بالطريقة العمرية لا بطريقة عصور الانحطاط، وتفسير الدين من منظور حقوق الإنسان لا حقوق الله، حيث تُقرأ التكليفات الشرعية على قاعدة الإرشاد لا قاعدة الجبر والإلزام، وأن أعمال الإنسان ليست في خدمة الله وحسب، بل في خدمة مدنية الإنسانية المزدهرة.
حسم القراءة وحسم التوجه
وفي مبحث "إلى حسم القراءة" كان رأي عبد الحفيظ أن نظرة آباء النهوض هي ذات نظرة الصحابة الذين التزموا كلمة العقل والمنطق مع معطيات العصر، وعلى هذا جمعوا القرآن، وقاتلوا مانعي الزكاة، معتبرا أن تدين الأوامر والنواهي والرسوم والشكليات هو ارتداد إلى ما قبل الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
أما في "حسم التوجه"، انتقد الكاتب أخذ الحركات الإسلامية على عاتقها مهمة الدفاع عن الصلاحية السياسية والحضارية للإسلام، وهي جماعات خارج حدود الأزهر الشريف، مما أفقدها - في رأيه – أبرز مقومات سلامتها، وهو قيام فقيه مستبصر بشأن رعايتها، مما جعلها تنزل على الضرورات التي تمليها الحزبية من دعم لقيادات بغض النظر عن تقدمها الفكري أو الفقهي، وقال: "وزاد الطين بلة أن هذه الحركات قنعت بأن من مهامها السعي نحو استعادة الوحدة السياسية للمسلمين، وهي التي لم تكن أبدا مؤهلة، لا على القيام على شأن الإرشاد الديني، ولا على القيام بالعبء السياسي!".
والتوجه الصحيح - كما يراه الكاتب - هو إصلاح سياسي وإصلاح ديني، يسفر عن جبهة أشبه بالحزب الوطني القديم، الذي أنشأه الأفغاني - أو ساهمت جهوده في إنشائه - كتجمع للناشطين والمفكرين المتجهين بالأصالة لمعالجة الهم السياسي، وذلك – في رأيه - هو اتجاه النهوض المنصب على إصلاح المعضل الأساسي في حياة الناس كل الناس، وهو المعضل السياسي، وإصلاح الإسلام لا عودته؛ لأن الإسلام حي في ضمير الجماعة الإسلامية مسلمين وغير مسلمين، ثم علينا بعد ذلك - بحسب المؤلف - أن تقو














