رؤية في العلاقات الدولية، والسلم العالمي..
التعاون العالمي من أجل السلام 
لا شكّ أنّنا حين ندعو إلى التعاون ما بين الشعوب فإنّنا إنّما ندعو إلى ذلك النوع من التعاون المستمر الذي يمنع الاعتداء ويؤدى إلى السلام الدائم. ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا بسهولة ويسرِ ما يعترض هذا التعاون من صعوبات أعسرها تذليلا عدم إيمان قادة الشعوب المختلفة به.
إنّ الارتقاء الاجتماعي والضرورات الإنسانيّة وإدراك العالم أنّ الحرب ليست هي الوسيلة المثلى لتحقيق الأهداف، كلّ ذلك يدفع اليوم لِأَن تختمر في ضمير العالم فكرة التعاون والتعرف السلميّ الآمن ما بين الشعوب. إلا أنّه ينبغي أن لا يفوت علينا ما ألفناه من أخلاق القبيلة الحاكمة للعلاقات الدولية بين الأمم، وما سجّله لنا التاريخ من ألاعيب السياسة وغدرِها، كما ينبغي أنّ نقدّر حقّ التقدير قوة أنصار الحرب والعاملين عليها والمنتفعين من ورائها.
لقد جاوز النّاس في طور الدولة أخلاق القبيلة، وطريقة التعادي في أخذهم للحق أو إثباته بوازع من القانون الذي نشأ بنشوء الدولة محتمياً بسلطان البوليس والقضاء، فقد اعتاد النّاس أن يتعاونوا في معايشهم المدنية بعيد ظهور الدولة بالحسنى تاركين عاداتهم الأولى في العدوان والجري على أحكام "حق الأقوى" التي ألفوها أزمانا طوالا فيما قبل المدنيات المنظمة. على هذا جرى حال أفراد الناس بحيث أصبحوا يرون ما كانوا يتمدحون به في حال البداوة ويجعلونه مناطا للعزة ومجلبة للفخار -من أعمال العدوان- جريمة مستحقة للعقاب. هذا حصل للأفراد داخل الجماعة الواحدة بينما لم تجد الأمم أو بالأولى الحكومات كما وجد الأفراد قانوناً ولا محاكم تفض النزاع بينها، ولا "بوليساً" يمنع من اعتداء بعضها على بعض، فبقيت فيها جاهليّة الحياة البدائيّة الأولى، من أساليب القصاص الهمجيّ، وسيادة روح القبيلة بالاعتداء على الغير استعلاء عليه واستعبادا له وطمعا في أرضه ومَرافِقه، وبالجملة فقد بقيت كل حكومة حتى في هذه المدنية الحاضرة تضمر أن تنتزع بالقوة من أمة أخرى مالها من الحقوق من غير وازع ولا حياء.. وإذاً فقد ظفرنا من المدنيات القديمة بأدب للأفراد ولم نظفر بأدب لحكوماتهم؟
أدب السلام في السياسة الدولية، أدب ناقص؟
إنّ أوّل ما خطر في موضوع السلام الدائم في الثورة الحضارية الحديثة صوت أتى من جامعة "كونجسبرج" حين اقترح أستاذ الفلسفة فيها "ايمانويل كنت" إنشاء حكومة أمم تمنع اعتداء بعضها على بعض. ووجّه "كنت" نداءً للأمم والملوك طالبهم فيه بأن تنظم الأمم سلوكَها على قواعد الأخلاق والقانون، وأن تحترم الآخرين وأن يسود قانون يحكم علاقات الدول.
لكنّ الذي حصل هو أنّ حكومات الأمم الكبرى حين اجتمعت في مؤتمر "فيينا" بعد هذا النداء بتسعة عشر عاما، معلنة أهميّة مبادئ "كنت" لم يكن ذلك إلا من قبيل خداع الرأي العام للشعوب الضعيفة والفقيرة. وهاكم مذكرة رئيس المؤتمر المؤرخة في نوفمبر سنة 1815م. يقول فيها: "إن أولئك الذين اجتمعوا في المؤتمر وكانوا يعلمون حق العلم طبيعته وأغراضه لا يكادون يخدعون بتلك الكلمات الفخمة مثل: إعادة النظام الاجتماعي وتجديد المذهب السياسي لأوربا وتحقيق السلام الدائم بين الدول الخ.. فهذه الكلمات إنما نطق بها لتطمين الناس ولتفيض على هذا الاجتماع الحافل كرامة وعظمة. لكن الغرض الحقيقي للمؤتمر هو توزيع أسلاب المقهورين بين القاهرين"؟!!.
كان هذا وما يزال نموذجاً من أدب السياسة الدولية يتخذه الساسة ليلقوا به دروسا في الشر والظلم على الناس أجمعين. وإذن فإنّ الأدب السياسي لم يتغير على يد أصحاب الحضارة المعاصرة من الغربيين عما كان عليه في العصور الهمجيّة القديمة. قال الكاتب المعروف "ألدوس هكسلى" عشيّة الحرب العالمية الثانية: "إن أدب السياسة الدولية هو أدب القرصان. أدب الخداع. لم يتغير هذا الأدب منذ عشرين قرنا حين قال الفيلسوف "سنيك": هذا هو قانون الإنسانية: كل ما هو محرم عليك اتباعه وأنت فرد، مطلوب منك إتيانه وأنت مدافع عن الدولة؟!.
فتكاد تحسّ أنّ ما نجحت به أمم أوربا إنّما كان في نجاح الأفراد الغربيين في إقامة علاقات غير همجيّة فيما بينهم، لكنّ الواقع يقول إنّ العطاء الحضاري الغربي لم ينجح في ضبط العلاقات الدوليّة بين الأمم ونشر السلام العالمي. لقد رسّخت أوربا في الضمير الإنساني فكرة أنّ ضابط قانون العلاقات الدولية ليس موكولاً إلى قانون أو ميثاق شرف، وإنّما رهين بضمير ساسة الدول القويّة، الذين رسخ في أدبهم السياسي أنّ السياسة لا ضمير لها؟ وبالتالي فلم يعد للسياسة الدولية محكمة إلا الحرب؟
لقد استمرّ هذا الحال على ما هو عليه ولم يتعظ العالم من الدروس القاسية التي تلقّاها منذ الحرب العالمية الأولى والتي على أساسها شرع في إنشاء جمعية الأمم، فلم تنجح تجربتها وجاءت الحرب الثانية بويلاتها التي لا تطاق. وتلقاء تجربتها القاسية صدر ميثاق الاطلنطى في أغسطس سنة 1941م. فشرعوا في إنشاء عصبة أمم جديدة خير من عصبة الأمم القديمة؟ ولنا أن نتساءل: هل أوصل إنشاء الأمم المتحدة بعد حربين عالميتين إلى الغاية النبيلة التي أشار إليها المستر "إيدن" بقوله: "إن غايتنا هي إنشاء نظام عالمي يحقق التقدم السلمي لجميع الشعوب"؟.
الحقيقة أنّ العقل والتجربة متفقان على أنّ قيم التجربة الحضارية الغربية المعاصرة لم تنجح في مضمار تحقيق المساواة بين الأمم، وضمان عدم تعاديها على بعضها، بل الواقع أنّ حكومات الأمم الأوربية هي من حمل لواء التعادي وسعى لنهب ثروات الشعوب الفقيرة والمستضعفة، وواضح أنّه ما لم تكن وسيلة لتربية أجيال تؤمن بفكرة إلغاء استعلاء قوم على قوم؛ تلك الفكرة التي هي أفسد ما يفسد أخلاق الاجتماع العالمي، فستظلّ الحرب وسيلة المستضعفين والمستكبرين على السواء، كلّ في غرضه. ولن يمكن التوصّل بحال إلى قانون دولي محترم يضبط العلاقات ما بين الدول.
الحرب ليست طبيعية وعلى الدول المتمدينة وجماعات الإصلاح أن تعمل على القضاء على أخلاق الاستعلاء والاستكبار:
انتزع بعض من الكتابٌ والفلاسفةٌ مما هو واقع من تصرّفات الآدميين فكره أنّ الحرب من طبع الإنسان، ومن طريف ما يؤثر عن أنصار الحرب ما نقله "إيميل فاجى" عن أحدهم قوله: "الحرب إلهيّة في ذاتها؛ لأنها قانون العالم. الحرب "إلهية" في المجد الخفي الذي يحيط بها وفى الجاذبية الخفية أيضا التي تجذبنا إليها. الحرب "إلهية" في الحماية الموهوبة للقواد العظام".. الحرب "إلهية" بنتائجها التي تعزب عن تقديرات الناس؟؟. قال إميل فاجى: "كل هذه الجمل تساوى أنّه يقول: "الحرب إلهية؛ لأنها سخيفة؟"
والذي يراه أنصار السلام هو أن الحرب ليست من طبع ا














