رؤية في العلاقات الدولية، والسلم العالمي.

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , رؤى التيار البديل


رؤية في العلاقات الدولية، والسلم العالمي..

التعاون العالمي من أجل السلام

لا شكّ أنّنا حين ندعو إلى التعاون ما بين الشعوب فإنّنا إنّما ندعو إلى ذلك النوع من التعاون المستمر الذي يمنع الاعتداء ويؤدى إلى السلام الدائم. ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا بسهولة ويسرِ ما يعترض هذا التعاون من صعوبات أعسرها تذليلا عدم إيمان قادة الشعوب المختلفة به.

إنّ الارتقاء الاجتماعي والضرورات الإنسانيّة وإدراك العالم أنّ الحرب ليست هي الوسيلة المثلى لتحقيق الأهداف، كلّ ذلك يدفع اليوم لِأَن تختمر في ضمير العالم فكرة التعاون والتعرف السلميّ الآمن ما بين الشعوب. إلا أنّه ينبغي أن لا يفوت علينا ما ألفناه من أخلاق القبيلة الحاكمة للعلاقات الدولية بين الأمم، وما سجّله لنا التاريخ من ألاعيب السياسة وغدرِها، كما ينبغي أنّ نقدّر حقّ التقدير قوة أنصار الحرب والعاملين عليها والمنتفعين من ورائها.

لقد جاوز النّاس في طور الدولة أخلاق القبيلة، وطريقة التعادي في أخذهم للحق أو إثباته بوازع من القانون الذي نشأ بنشوء الدولة محتمياً بسلطان البوليس والقضاء، فقد اعتاد النّاس أن يتعاونوا في معايشهم المدنية بعيد ظهور الدولة بالحسنى تاركين عاداتهم الأولى في العدوان والجري على أحكام "حق الأقوى" التي ألفوها أزمانا طوالا فيما قبل المدنيات المنظمة. على هذا جرى حال أفراد الناس بحيث أصبحوا يرون ما كانوا يتمدحون به في حال البداوة ويجعلونه مناطا للعزة ومجلبة للفخار -من أعمال العدوان- جريمة مستحقة للعقاب. هذا حصل للأفراد داخل الجماعة الواحدة بينما لم تجد الأمم أو بالأولى الحكومات كما وجد الأفراد قانوناً ولا محاكم تفض النزاع بينها، ولا "بوليساً" يمنع من اعتداء بعضها على بعض، فبقيت فيها جاهليّة الحياة البدائيّة الأولى، من أساليب القصاص الهمجيّ، وسيادة روح القبيلة بالاعتداء على الغير استعلاء عليه واستعبادا له وطمعا في أرضه ومَرافِقه، وبالجملة فقد بقيت كل حكومة حتى في هذه المدنية الحاضرة تضمر أن تنتزع بالقوة من أمة أخرى مالها من الحقوق من غير وازع ولا حياء.. وإذاً فقد ظفرنا من المدنيات القديمة بأدب للأفراد ولم نظفر بأدب لحكوماتهم؟

أدب السلام في السياسة الدولية، أدب ناقص؟

إنّ أوّل ما خطر في موضوع السلام الدائم في الثورة الحضارية الحديثة صوت أتى من جامعة "كونجسبرج" حين اقترح أستاذ الفلسفة فيها "ايمانويل كنت" إنشاء حكومة أمم تمنع اعتداء بعضها على بعض. ووجّه "كنت" نداءً للأمم والملوك طالبهم فيه بأن تنظم الأمم سلوكَها على قواعد الأخلاق والقانون، وأن تحترم الآخرين وأن يسود قانون يحكم علاقات الدول.

لكنّ الذي حصل هو أنّ حكومات الأمم الكبرى حين اجتمعت في مؤتمر "فيينا" بعد هذا النداء بتسعة عشر عاما، معلنة أهميّة مبادئ "كنت" لم يكن ذلك إلا من قبيل خداع الرأي العام للشعوب الضعيفة والفقيرة. وهاكم مذكرة رئيس المؤتمر المؤرخة في  نوفمبر سنة 1815م. يقول فيها: "إن أولئك الذين اجتمعوا في المؤتمر وكانوا يعلمون حق العلم طبيعته وأغراضه لا يكادون يخدعون بتلك الكلمات الفخمة مثل: إعادة النظام الاجتماعي وتجديد المذهب السياسي لأوربا وتحقيق السلام الدائم بين الدول الخ.. فهذه الكلمات إنما نطق بها لتطمين الناس ولتفيض على هذا الاجتماع الحافل كرامة وعظمة. لكن الغرض الحقيقي للمؤتمر هو توزيع أسلاب المقهورين بين القاهرين"؟!!.

كان هذا وما يزال نموذجاً من أدب السياسة الدولية يتخذه الساسة ليلقوا به دروسا في الشر والظلم على الناس أجمعين. وإذن فإنّ الأدب السياسي لم يتغير على يد أصحاب الحضارة المعاصرة من الغربيين عما كان عليه في العصور الهمجيّة القديمة. قال الكاتب المعروف "ألدوس هكسلى" عشيّة الحرب العالمية الثانية: "إن أدب السياسة الدولية هو أدب القرصان. أدب الخداع. لم يتغير هذا الأدب منذ عشرين قرنا حين قال الفيلسوف "سنيك": هذا هو قانون الإنسانية: كل ما هو محرم عليك اتباعه وأنت فرد، مطلوب منك إتيانه وأنت مدافع عن الدولة؟!.

فتكاد تحسّ أنّ ما نجحت به أمم أوربا إنّما كان في نجاح الأفراد الغربيين في إقامة علاقات غير همجيّة فيما بينهم، لكنّ الواقع يقول إنّ العطاء الحضاري الغربي لم ينجح في ضبط العلاقات الدوليّة بين الأمم ونشر السلام العالمي. لقد رسّخت أوربا في الضمير الإنساني فكرة أنّ ضابط قانون العلاقات الدولية ليس موكولاً إلى قانون أو ميثاق شرف، وإنّما رهين بضمير ساسة الدول القويّة، الذين رسخ في أدبهم السياسي أنّ السياسة لا ضمير لها؟ وبالتالي فلم يعد للسياسة الدولية محكمة إلا الحرب؟

لقد استمرّ هذا الحال على ما هو عليه ولم يتعظ العالم من الدروس القاسية التي تلقّاها منذ الحرب العالمية الأولى والتي على أساسها شرع في إنشاء جمعية الأمم، فلم تنجح تجربتها وجاءت الحرب الثانية بويلاتها التي لا تطاق. وتلقاء تجربتها القاسية صدر ميثاق الاطلنطى في أغسطس سنة 1941م. فشرعوا في إنشاء عصبة أمم جديدة خير من عصبة الأمم القديمة؟ ولنا أن نتساءل: هل أوصل إنشاء الأمم المتحدة بعد حربين عالميتين إلى الغاية النبيلة التي أشار إليها المستر "إيدن" بقوله: "إن غايتنا هي إنشاء نظام عالمي يحقق التقدم السلمي لجميع الشعوب"؟.

الحقيقة أنّ العقل والتجربة متفقان على أنّ قيم التجربة الحضارية الغربية المعاصرة لم تنجح في مضمار تحقيق المساواة بين الأمم، وضمان عدم تعاديها على بعضها، بل الواقع أنّ حكومات الأمم الأوربية هي من حمل لواء التعادي وسعى لنهب ثروات الشعوب الفقيرة والمستضعفة، وواضح أنّه ما لم تكن وسيلة لتربية أجيال تؤمن بفكرة إلغاء استعلاء قوم على قوم؛ تلك الفكرة التي هي أفسد ما يفسد أخلاق الاجتماع العالمي، فستظلّ الحرب وسيلة المستضعفين والمستكبرين على السواء، كلّ في غرضه. ولن يمكن التوصّل بحال إلى قانون دولي محترم يضبط العلاقات ما بين الدول.

الحرب ليست طبيعية وعلى الدول المتمدينة وجماعات الإصلاح أن تعمل على القضاء على أخلاق الاستعلاء والاستكبار:

انتزع بعض من الكتابٌ والفلاسفةٌ مما هو واقع من تصرّفات الآدميين فكره أنّ الحرب من طبع الإنسان، ومن طريف ما يؤثر عن أنصار الحرب ما نقله  "إيميل فاجى" عن أحدهم قوله: "الحرب إلهيّة في ذاتها؛ لأنها قانون العالم. الحرب "إلهية" في المجد الخفي الذي يحيط بها وفى الجاذبية الخفية أيضا التي تجذبنا إليها. الحرب "إلهية" في الحماية الموهوبة للقواد العظام".. الحرب "إلهية" بنتائجها التي تعزب عن تقديرات الناس؟؟. قال إميل فاجى: "كل هذه الجمل تساوى أنّه يقول: "الحرب إلهية؛  لأنها سخيفة؟"

والذي يراه أنصار السلام هو أن الحرب ليست من طبع ا

المزيد


رؤيتنا لرعاية الدولة للحالة الدينية

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , رؤى التيار البديل

رؤيتنا لرعاية الدولة للحالة الدينية

الحالة الدينية التي نقصدها هنا هي مسائل الاعتقاد وأداء الشعائر العبادية، وإدارة المؤسسات الدينية من دون أن يكون لذلك أدنى أثر سياسي

والدين الإسلامي المقصود هنا هو المؤسسة الدينية وحالة الشعائر التي لا ترتبط بالهوية القومية السياسية والفرق: هو أنّ الهوية القومية هي شأن سياسي وقانوني لا علاقة له بالحالة الدينية التي يشملها هذا التصوّر لإدارة الحالة الدينية للمواطنين المصريين، ولا تأبه الدولة أو بالأحرى لا يعنيها أن يكون هناك ثمّة علاقة بين تحقيقها للهوية القومية ذات الطابع الإسلامي وبين كون هناك مواطنين مسلمي العقيدة عندها، إذ التمايز بالإسلام الحضاري لا يكون بين المواطنين وبعضهم، وإنّما بين الدولة وغيرها من الدول. فلا تمييز بين مواطن ومواطن أمام القانون، ولا في التطبيق السياسي مع أنّهما ملتزمان بالهوية الحضارية القومية..

حريّة العقيدة أمر مكفول في إطار من احترام الدين العام وسلامته. والمسيحية أسبق في مصر من الإسلام، فلها وأهلها كامل الاحترام. وتبقى حريّة المعتقد بعد هذا مسألة دستوريّة لها ضوابط ينبغي أن يتعاطى معها البرلمان، فليس من حريّة العقيدة استحداث معتقد جديد في الإسلام ينكر أساساته التي يُجمع عليها المسلمون، وليس من حرية المعتقد أن يفرّق بين المسلمين باعتبار أنّ بعضهم أكثر مشايعة لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام وابنه الحسين؟ أمّا الخلافات في الفروع الفقهيّة فمن سجايا الإسلام ومن علامات التحضّر عند المسلمين. ولا يجوز لفرد أو لجماعة داخل مصر كائناً من كان أن يتميّز بتدينه على الجماعة العامّة أو أن يهينها في تدينها، والتميّز في الدين لا يكون إلا بالعلم، فمن علم حجّة على من لم يعلم، وميدان هذا الأزهر الشريف والفيصل فيه المحكمة العليا. وليس لأحد أن يتصدّر لبيان التحريم أو الإباحة من دون سند، وعلى من يملك السند أن لا يشهره على العامّة، وليس هناك محلّ لإظهار السندات الدينية إلا الأزهر الشريف وجامعة الشريعة، وليس هناك مرجع تعرف منه الأحكام الفروعية سوى الأزهر، أمّا الأحكام العقديّة عند المسلمين فممّا ابتَدَع التوسّعَ في الكلام فيها جماعات من المبتدعة الذين يجب زجرهم بغاية الحسم، وتعتبر معاقرة الحديث في علم الكلام وفي الأسماء والصفات وغيرها ممّا يعاقره المبتدعة خارج الحوزة العلميّة جريمة تهدد السلم العام.

يحقّ لكل أحد أن يذهب إلى الأزهر وأن يناقش ما يعتمل بصدره من الأدلة الفرعية وغيرها وينبغي تكليف لجان من كبار العلماء تعمل على الالتقاء بهؤلاء النّاس ومناقشتهم على أن تثبت المناظرات العلميّة بمحاضرها وعلى المحكمة العليا البت فيها إذا وقع نزاع بأن خالف فرد يدّعي العلم الجماعة الأزهريّة أو ثبت تعنّت لجنة المناقشة معه وعدولها عن الصواب بحقّه.

دور العبادة:

لكلّ حيّ من الأحياء (بحسب ما يتم تحديده) مسجد جامع واحد وله كنيسة كبيرة واحدة شريطة ألا يقلّ عدد الأسر المسيحية فيه عن ألف أسرة. فإن قلّ العدد عن الألف سمح بإنشاء دور عبادة فرعيّة تضبط بالخمسمائة أسرة مثلاً (للمسجد الفرعي والكنيسة الفرعية على السواء). ولا تقام الجمعة ولا المناسبات الدينية الكبرى إلا في المساجد والكنائس الجامعة، ولا يقام في الفروع إلا الصلوات، وللدولة أن تستغل المباني الفرعية على النحو الذي يحفظ كرامتها، كأن تستغلّ أسطحها أو الحديقة الملحقة بها. ويلزم على الدولة إنشاء الكنيسة الكبرى أو المسجد الجامع في الحيّ إذا لم يستطع أهله إقامته، ويحال أبناء الحيّ من الأقليات الدينية إلى الأحياء المجاورة طالما لم يكن لديهم محل عبادة جامع تقام فيه الاحتفالات الدينية. وإذا خلا حيّ من كنيسة جامعة وجب ترك مبنى فرعي خالص للطائفة لا تستغله الدولة.

ولا يجوز تعدد الجُمَع بالنسبة للمسلمين في المِصْر الواحد (الحيّ الواحد)، ولا يجوز الفصل في المسجد الجامع بين أماكن النساء والرجال، إلا ما كان معروفاً من فعل الصحابة حال الصلاة فقط من وقوف النساء خلف الرجال. وتعتبر رحاب المسجد الجامع حرماً لكلّ أحد ولا يجوز غلقه بحال، وعلى الجامع الأزهر أن يشرف عليه. وعلى الدولة أن تستغلّ الساحات الكبرى للمساجد الجامعة ودور المناسبات الملحقة به لإقامة الندوات التثقيفية وحفلات الإنشاد الديني والاستماع للقرآن الكريم وإقامة سرادقات العزاء بشكل جماعي سعياً للتقريب الاجتماعي بين الناس، ولا يمنع أصحاب الديانات الأخرى من استغلال ساحة المسجد الجامع وقاعاته في كل مناسبة ما خلا الدينية إلا بإذن من جمهور المسجد الجامع.

المناسبات الدينية:

تلتزم الدولة بإحياء المناسبات الدينية الكبرى في سائر أنحاء البلاد، ويلزمها الاحتفال بميلاد السيد ا

المزيد


رؤيتنا في الوضع الاقتصادي والإدارة المالية

أغسطس 6th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , رؤى التيار البديل

رؤيتنا في الوضع الاقتصادي والإدارة المالية

 بقلم د. علي عبد الحفيظ


الملكية الشخصية حق مكفول للجميع ولابد للجميع من احترامه. لكنّ الملكيّة المالية كما الملكيّة الدستوريّة لا تعطي السيادة المطلقة، ولابد من رقيب على التصرفات التي يجريها المالك لأنّ آثارها لا تقف عليه وحده بل تتعدّاه لسائر الأمّة، وعليه فلمن تقع آثار الفعل عليهم نوع من المشاركة مكفول، ولهم حقّ معلوم، أمّا الحق المعلوم فهو الزكاة أو الضريبة التي ينبغي على المالكين دفعها للجماعة أو الدولة. وأمّا نوع المشاركة فهو تحقيق للرقابة والرقابة علامة السيادة وسيادة الجماعة على الأموال والممتلكات الموجودة بحوزتها عامّةً كانت أو خاصّة أمر ثابت في الشريعة عملاً بقول الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}([1]). فإنّ الله تعالى أثبت السيادة على حفظ الأموال للجماعة ولو كانت أموالاً خاصّة، كما أنّ إقرار القرآن للملكيّة الخاصة في نسبة الأموال لأصحابها في قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([2]). محتمل فيه أن يكون الضمير في كلمة أموالهم عائداً لجماعة الأغنياء الذين بيدهم الملكيّة الخاصّة أو أن يكون عائداً للجماعة الوطنيّة صاحبة السيادة الأصيلة على مقدّرات الدولة. والحاصل أنّه ليس كلّ أحد حرّاً في التصرّف في أمواله دون رقيب، على أن يكون ذلك في إطار المعروف والعدل بحيث لا تجور الجماعة أو الدولة على حقّ الملك حماية للجماعة فإنّ العدل لا يكون بالجور. وعلى البرلمان وضع الضوابط القانونية لهذا.

والخلاصة أنّ جرائم المال التي لا تقرّها الشريعة وعلى الجماعة أن تسنّ من القوانين ما يحسم أمر التعاطي معها هي:

1.     الترف

2.     السفه.

3.     الاحتكار.

4.     الاستغلال.

5.     منع الضريبة عن الدولة.

6.     الإخلال بالأمن الاقتصادي الاستراتيجي، بما في ذلك تهديد الأمن الحيوي للفقراء.

فأمّا الترف فالإسلام لا يعرف التعامل معه، ولا يقرّه، ويعتبره مسئولاً أكبر عن فساد المجتمع، فما أتخمت بطن إلا بجوع جارتها، وقد ورد من الآيات عدد كبير نوّه بخطورة الترف ومدى سوئه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}([3]). {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}([4]). {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}([5]). {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}([6]). كما إنّ الإسلام لا يقرّ الغنى البارد، وقد أورد الهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به" قال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار وإسناد البزار حسن([7]).

ومع ذلك فالإسلام لا يطلب من الغني أن يسير بين الناس ممزق الثياب متصوّفاً زاهداً اللهمّ إلا إذا قرر هو ذلك، لذا دفع عن الأغنياء شبهة أنّ الله يريد منهم ذلك بقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}([8]). كما طلب منهم أن يظهروا نعمة الله عليهم: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}([9]). {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}([10]) وفي هذه الأخيرة يظهر ضابط الإسلام الكبير كلوا واشربوا ولا تسرفوا. كما وأنّ الإسلام يحبّ للنّاس أن يحرصوا على ما فوق الكفاف ويرفض لهم العوز والحاجة، فقد رفض النبيّ من سيّدنا سعد بن أبي وقّاص أن يتبرّع بأكثر من ثلث ماله، مبيّناً أنّ الثلث نفسه كثير، وملفتاً إلى أفضليّة ترك العيال أغنياء خيراً من تركهم فقراء يتكففون النّاس. فقد روى البخاري عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُني عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بي فَقُلْتُ إني قَدْ بَلَغَ بي مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يرثني إِلاَّ ابْنَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بثلثي مالي قَالَ «لاَ». فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ «لاَ» ثُمَّ قَالَ «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ- إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِيّ امْرَأَتِكَ» (أي في فم امرأ

المزيد