
د.عبد الوهاب المسيري
تميل الدراسات السياسية إلى تعريف المصطلحات بشكل "سياسي" , دون الغوص في تضميناتها الفلسفية أو المعرفية , ونحن إن لم نعرف الأبعاد المعرفية للمصطلح فلن ندرك إلا وجهاً واحداً منه , ولن نعرفه في كليته وتركيبته . وقد تم تعريف "النظام العالمي الجديد" عدة تعريفات سياسية تهمل بُعده المعرفي , مع أن هذا البعد هو الذي يكشف حقيقته
إن النظام العالمي الجديد ما هو إلا استمرار للنظام العالمي الاستعماري القديم , وما هو إلا تعبير حديث عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية في عصر السيولة الشاملة التي تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية , وهي المرجعية التي ترى أن الطبيعة والإنسان مجرد ظاهرتين ماديتين , تسري عليهما قوانين المادة , لا فرق بين الواحد والآخر . هذه الرؤية تذهب إلى أن مركز الكون كامن فيه ؛ لأن الكون بأسره يتكون من مادة واحدة , ومن ثم لا مجال للتجاوز أو لفاعلية المنظومات الأخلاقية , ويتجسد هذا المركز في عنصر مادي واحد , وتصبح بقية العالم بالنسبة له هي الهامش .
ويمكن أن يتجسد المركز في الإنسان أو في الطبيعة , فإن تمركز حول الذات الإنسانية فإنها تصبح هي المركز , وفي غياب أي مرجعيات متجاوزة يصبح أحد الشعوب هو (الأنا) المقدسة التي ترى بقية البشر والطبيعة باعتبارهما مادة محضة , يمكن هزيمتها وتوظيفها وحَوْسَلتها (أي تحويلها إلى وسيلة) .
وقد أعلن الإنسان الغربي أنه هو (الأنا) المقدسة وأن العالم قد انقسم - بسهولة - إلى الأنا والآخر , والقوي والضعيف , والغازي والمغزوّ , والمسلح والأعزل من السلاح , والغرب وبقية العالم (بالإنكليزية : ذا وست أند ذا رست The west and the rest) , ومنذ أن قام هذا النظام - النظام العالمي الاستعماري القديم - باقتسام العالم بدأ يصول ويجول , وبدلاً من أن ينشر الاستنارة والعدل انغمس في عمليات إبادة منهجية رشيدة , لم يعرفها تاريخ البشر من قبل (إبادة سكان الأمريكتين) , وانغمس في عمليات (ترانسفير) (نقل السود من إفريقيَّة إلى الأمريكتين , ونقل العناصر البشرية غير المرغوب فيها مثل المجرمين واليهود والفائض البشري والثوريين والفاسدين اجتماعياً إلى جيوب استيطانية) . وقد خاض هذا النظام الدولي - في الصين - حرب الأفيون الأولى ثم حرب الأفيون الثانية , حتى يحقق أرباحاً اقتصادية ضخمة , وقد قام بنهب ثروات الشعوب بشكل منظم , لم يعرف له التاريخ مثيلاً , ومع ظهور حركات التحرر الوطني في المستعمرات - ابتداءً من الأربعينات - قام النظام الإمبريالي العالمي بضربها بعنف شديد , ثم حاول في الخمسينات الالتفاف حولها بأن منح المستعمرات استقلالاً اسمياً , وأسس نظماً سياسية عميلة مستعدة لأن تعطيه امتيازات يفوق عائدها ما كان يحصل عليه من الاستعمار العسكري المباشر .
إن تاريخ النظام العالمي الاستعماري القديم هو تاريخ النظام الصناعي العسكري الإمبريالي الغربي الذي حوَّل العالم إلى مصدرٍ للطاقة الطبيعية والبشرية الرخيصة وإلى سوقٍ لبضائعه . وعلى الرغم من تغيُّر الأشكال (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي - الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية - الكولونيالية - الإمبريالية - الاستعمار الجديد) , فإنه نظام عالمي واحد يحاول أن يفرض - بالقوة - حالة التفاوت بين الشعوب والأمم .
قام هذا النظام الإمبريالي العالمي بغرس كل أنواع الاستعمار في عالمنا العربي (الاستعمار العسكري في مصر , السودان , ليبيا , المغرب , تونس , الصومال , العراق , جيبوتي , سورية , لبنان وأريتريا - الاستعمار الاستيطاني في الجزائر - الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فِلَسطين) , وقام بنهب هذه المنطقة , إما مباشرة إبَّان فترة الاستعمار العسكري المباشر أو من خلال التحكم في أسعار المواد الخام (خصوصاً النفط) , وعن طريق بيع أسلحة ببلايين الدولارات لنظم يضمن هو بقاءها في الحكم , ويعلم جيداً أنها غير قادرة على استخدام هذا السلاح , كما أثبتت الخبرة التاريخية التي يريدنا أن ننساها .
وتتضح هوية هذا النظام العالمي الإمبريالي المغلق في ظهور الفلسفات العنصرية والداروينية والنيتشوية التي تقسم العالم - وبحدة - إلى الأنا والآخر , وتجعل الذات القومية هي المعيار الوحيد للحكم , وتجعل الغرب هو المركز , وتجعل الإنسان الأبيض هو صاحب المشروع الحضاري الوحيد الجدير بالاحترام والبقاء , ومن هنا عُبئ الرجل الأبيض الشهير , فهو وحده القادر على اختيار الطريق الصحيح , أما الآخر فهو عاجز ضالّ . وفي هذا الإطار ظهرت الفاشية والنازية ثم الصهيونية وهي دعوة لحل مشاكل أوروبا (المسألة اليهودية) عن طريق تصديرها للشرق .
فحينما كان هِرْتِزِل يتحدث عن إنشاء دولة يهودية يضمنها "القانون الدولي العام" -فإنه كان يعني "القانون الغربي الاستعماري" , الذي يتحكم في العالم ويقسمه حسب رؤيته ومشيئته , ثم صدر وعد بلفور في هذا الإطار , إذ أعطت بريطانيا الحق لنفسها في أن تمنح أرض فِلسطين للفائض البشري اليهودي في الغرب , وأن تنقل من فِلسطين سكانها الأصليين (تمت الإشارة إليهم باعتبارهم العناصر "غير اليهودية" , أي "غير الغربية" , ومن ثم فهم يقعون خارج نطاق الحقوق والمسئوليات) , ثم قام النظام الدولي - مرة أخرى من خلال هيئة الأمم المتحدة - بتقسيم فِلَسطين ومنح الوجود الصهيوني شرعية مستمدة من شرعيته الدولية هذه , ثم استمر النظام الدولي - متمثلاً في شِقِّيه الرأسمالي والاشتراكي - بالاعتراف بالدولة الصهيونية , ودعمها إما بشرياً عن طريق نقل المادة البشرية من شرق أوروبا , أو مالياً وعسكرياً عن طريق الدعم المالي والعسكري من غرب أوروبا والولايات المتحدة , وهو دعم ظل يتزايد في حجمه ونوعه يوماً بعد يوم , حتى وصل إلى التحالف الاستراتيجي المعلن بين "إسرائيل" والولايات المتحدة , مؤكداً بذلك أن الغرب - صاحب النظام الدولي - هو المهيمن على العالم , وأن العالم هو المسرح , وأن الجنس البشري هو المادة التي وظفها لصالحه .
هذه رؤية ثنائية حادة تنكر تاريخ الآخر وإنسانيته , ولا تقبل به إلا كمادة استعمالية , وقد تكررت ممارسات النظام الإمبريالي الدولي القديم بأشكال تتراوح بين درجات مختلفة من الحدة والتبلور في أنحاء آسيا وإفريقيَّة وأمريكا اللاتينية , وكان يمكن للاستعمار أن يستمر على شكله القديم , ولكن حدثت تطورات تاريخية عميقة لا تشكل لحظة إفاقة أخلاقية تاريخية - وكيف يمكن أن نتوقع هذا من حضارة مؤسسة على أساس القانون الطبيعي والفلسفة النيتشوية والداروينية ؟! - وإنما تشكل لحظة إدراك ذكية من جانب الغرب لموازين القوى , أدت إلى ظهور النظام العالمي الجديد الاستعماري .
ونحن نلخص أسباب ظهور هذا النظام الجديد فيما يلي :
أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية , وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة.
أدرك الغرب استحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث , التي أصبحت جماهيرها أكثر صحواً , ونُخبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية .
أدرك الغرب أنه على الرغم من هذه الصحوة , فثمة عوامل تفكك بدأت تظهر في دول العالم الثالث , فقد ظهرت نخب محلية مستوعبة تماماً في المنظومة القيمية والمعرفية والاستهلاكية الغربية - يمكنه أن يتعاون معها ويجندها , وهي نخب يمكن أن تحقق له - من خلال السلام والاستسلام - ما فشل في تحقيقه من خلال الغزو العسكري .
لكل هذا , أدرك الغرب إمكانية اللجوء للإغواء والإغراء بدلاً من القمع , والاستفادة من التفكك لضرب التماسك بدلاً من الهجوم التدميري المباشر ؛ وبذا يحل إشكالية عجزه عن المواجهة ويتخلى عن مركزيته الواضحة وهيمنته المعلنة , ليحل محلها هيمنة بنيوية تغطيها ديباجات العدل والسلام والديمقراطية التي ينقلها البعض ببَبْغائية مذهلة . ويمكن أن نتعامل بشيء من التفصيل مع التغيرات العالمية التي تشكل إطاراً لظهور النظام العالمي الجديد كما يلي :
على المستوى العسكري
أدت مرحلة الحرب الباردة بين الدولتين العظميين إلى إرهاقٍ متبادل لهما , نتيجة الدخول في سباق للتسلح لا نهاية له , خصوصاً وأن تطوير تقنية السلاح أصبح مسألة مكلفة للطرفين بشكل لا يطيقه أي منهما , وعلى الرغم من "انتصار" الولايات المتحدة , إلا أن النزيف قد أثر فيها , وقد أصبحت الحروب الحديثة أمراً مكلفاً للغاية , يتطلب تمويلاً ضخماً يصعب على أي دولة - بما في ذلك الولايات المتحدة - القيام به , خصوصاً وأن ثمة أزمة اقتصادية عالمية , تجعل من الصعب على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة في وقت تقوم فيه كثيرٌ من الدول الغربية بتصفية مؤسسات الرفاه الاجتماعي .
تراجعت القدرات العسكرية للاستعمار الغربي ؛ بسبب تصاعد معدلات العلمنة والتوجه الحاد للإنسان الغربي نحو المنفعة الشخصية واللذة المباشرة التي لا يمكن إرضاؤها إلا بالإشباع الفوري , وقد أدى هذا إلى انخفاض الروح النضالية لدى الإنسان الغربي وإلى ارتفاع تكاليف الحملات العسكرية . وقد صرح المتحدثون باسم المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن إمكانياتها قد أُجهدت تماماً أثناء العمليتين المتزامنتين لإنزال الجنود الأمريكيين في كلٍّ من غرانادا ولبنان , وذلك على الرغم من صغر حجم العمليتين ؛ بسبب تضخم قطاع الخدمات في القوات المسلحة - تماماً كما يحدث في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة , إذ يتطلب إنزال جندي أمريكي واحد خدمات عدة جنود , يصل عددهم أحياناً إلى عشرة , مما يعني أن إنزال عشرة آلاف جندي يشغل ما بين خمسين ومائة جندي آخر ! (وقد كانت حرب الخليج خليطاً من المأساة والملهاة في هذا المضمار ؛ بسبب معدل الرفاهية العالي) .
تراجعت الهيمنة العسكرية الغربية ؛ بسبب ظهور دولٍ لها قوة عسكرية ضاربة وقوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية , مثل كوريا الشمالية والصين , وربما باكستان.
أدرك الغرب - في الوقت نفسه - عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية , خصوصاً بعد تجربته المريرة في فيتنام (تجرِبة الانتفاضة الفِلَسطينية المستمرة وتجربة أفغانستان الناجحة) .
ظهور أسلحة دمار رخيصة مثل الصواريخ ذات الرؤوس الميكروبية (قنبلة الفقراء النووية على حد قول أحد المعقلين) , بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الفدائية على الحصول على أسل
المزيد