100 سنة سينما

أكتوبر 17th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

صندوق الدنيا
بقلم : أحمد بهجت

ســــــينما

يحدثنا عزت السعدني في كتابه‏100‏ سنة سينما عن نشوء السينما في مصر والعالم‏ أطلت شمس السينما علي الدنيا يوم‏28‏ ديسمبر سنة‏1895‏ يعني من‏112‏ سنة خلال أول عرض سينمائي أقامه للجمهور الفرنسي الأخوان لوميير في قاعة الصالون الهندي بمقهي الجراند كافيه في شارع كابوسين في باريس‏,‏ والذي اعتبره مؤرخو السينما التاريخ الرسمي لبدء هذا الفن الجديد‏.‏

أما مصر فقد لحقت بها بعد أربعة أيام فقط وشهدت أول عرض سينمائي أقيم في مقهي زواني في الاسكندرية في أول يناير سنة‏1896‏ بعد‏28‏ يوما فقط شهدت القاهرة أول عرض سينمائي في العالم أقيم في دار سينما سانتي علي مقربة من فندق شبرد القديم الذي اشتعل في حريق القاهرة‏.‏

وكان غير مسموح للسيدات بحضور العرض السينمائي‏,‏ وقد ظل هذا المنع قائما حتي نشر خبر يسمح للسيدات بحضور عرض السينماتوغراف‏ أما أول دار للسينما في مصر فقد أقيمت في عام‏1897‏ ولكن في الاسكندرية بشارع لوميير بمحطة مصر‏,‏ وكانت الاسكندرية سباقة دائما في مجال السينماتوغراف‏.‏

وقد نشر الاهرام أيامها أن المصريين يشكون من سوء معاملتهم داخل دور السينما‏,‏ حيث كانوا يتركون الصفوف العشرة الأولي للأجانب‏,‏ أما المصريون فإنهم يجلسون في مقاعد الترسو‏ وقد اجمع المؤرخون وكتاب السينما


المزيد


أسباب ظهورالنظام العالمي الجديد

أكتوبر 7th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

 

د.عبد الوهاب المسيري

تميل الدراسات السياسية إلى تعريف المصطلحات بشكل "سياسي" , دون الغوص في تضميناتها الفلسفية أو المعرفية , ونحن إن لم نعرف الأبعاد المعرفية للمصطلح فلن ندرك إلا وجهاً واحداً منه , ولن نعرفه في كليته وتركيبته . وقد تم تعريف "النظام العالمي الجديد" عدة تعريفات سياسية تهمل بُعده المعرفي , مع أن هذا البعد هو الذي يكشف حقيقته

إن النظام العالمي الجديد ما هو إلا استمرار للنظام العالمي الاستعماري القديم , وما هو إلا تعبير حديث عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية في عصر السيولة الشاملة التي تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية , وهي المرجعية التي ترى أن الطبيعة والإنسان مجرد ظاهرتين ماديتين , تسري عليهما قوانين المادة , لا فرق بين الواحد والآخر . هذه الرؤية تذهب إلى أن مركز الكون كامن فيه ؛ لأن الكون بأسره يتكون من مادة واحدة , ومن ثم لا مجال للتجاوز أو لفاعلية المنظومات الأخلاقية , ويتجسد هذا المركز في عنصر مادي واحد , وتصبح بقية العالم بالنسبة له هي الهامش .

ويمكن أن يتجسد المركز في الإنسان أو في الطبيعة , فإن تمركز حول الذات الإنسانية فإنها تصبح هي المركز , وفي غياب أي مرجعيات متجاوزة يصبح أحد الشعوب هو (الأنا) المقدسة التي ترى بقية البشر والطبيعة باعتبارهما مادة محضة , يمكن هزيمتها وتوظيفها وحَوْسَلتها (أي تحويلها إلى وسيلة) .

وقد أعلن الإنسان الغربي أنه هو (الأنا) المقدسة وأن العالم قد انقسم - بسهولة - إلى الأنا والآخر , والقوي والضعيف , والغازي والمغزوّ , والمسلح والأعزل من السلاح , والغرب وبقية العالم (بالإنكليزية : ذا وست أند ذا رست The west and the rest) , ومنذ أن قام هذا النظام - النظام العالمي الاستعماري القديم - باقتسام العالم بدأ يصول ويجول , وبدلاً من أن ينشر الاستنارة والعدل انغمس في عمليات إبادة منهجية رشيدة , لم يعرفها تاريخ البشر من قبل (إبادة سكان الأمريكتين) , وانغمس في عمليات (ترانسفير) (نقل السود من إفريقيَّة إلى الأمريكتين , ونقل العناصر البشرية غير المرغوب فيها مثل المجرمين واليهود والفائض البشري والثوريين والفاسدين اجتماعياً إلى جيوب استيطانية) . وقد خاض هذا النظام الدولي - في الصين - حرب الأفيون الأولى ثم حرب الأفيون الثانية , حتى يحقق أرباحاً اقتصادية ضخمة , وقد قام بنهب ثروات الشعوب بشكل منظم , لم يعرف له التاريخ مثيلاً , ومع ظهور حركات التحرر الوطني في المستعمرات - ابتداءً من الأربعينات - قام النظام الإمبريالي العالمي بضربها بعنف شديد , ثم حاول في الخمسينات الالتفاف حولها بأن منح المستعمرات استقلالاً اسمياً , وأسس نظماً سياسية عميلة مستعدة لأن تعطيه امتيازات يفوق عائدها ما كان يحصل عليه من الاستعمار العسكري المباشر .

إن تاريخ النظام العالمي الاستعماري القديم هو تاريخ النظام الصناعي العسكري الإمبريالي الغربي الذي حوَّل العالم إلى مصدرٍ للطاقة الطبيعية والبشرية الرخيصة وإلى سوقٍ لبضائعه . وعلى الرغم من تغيُّر الأشكال (الاستعمار الاستيطاني الإحلالي - الاستعمار الاستيطاني المبني على التفرقة اللونية - الكولونيالية - الإمبريالية - الاستعمار الجديد) , فإنه نظام عالمي واحد يحاول أن يفرض - بالقوة - حالة التفاوت بين الشعوب والأمم .

قام هذا النظام الإمبريالي العالمي بغرس كل أنواع الاستعمار في عالمنا العربي (الاستعمار العسكري في مصر , السودان , ليبيا , المغرب , تونس , الصومال , العراق , جيبوتي , سورية , لبنان وأريتريا - الاستعمار الاستيطاني في الجزائر - الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فِلَسطين) , وقام بنهب هذه المنطقة , إما مباشرة إبَّان فترة الاستعمار العسكري المباشر أو من خلال التحكم في أسعار المواد الخام (خصوصاً النفط) , وعن طريق بيع أسلحة ببلايين الدولارات لنظم يضمن هو بقاءها في الحكم , ويعلم جيداً أنها غير قادرة على استخدام هذا السلاح , كما أثبتت الخبرة التاريخية التي يريدنا أن ننساها .

وتتضح هوية هذا النظام العالمي الإمبريالي المغلق في ظهور الفلسفات العنصرية والداروينية والنيتشوية التي تقسم العالم - وبحدة - إلى الأنا والآخر , وتجعل الذات القومية هي المعيار الوحيد للحكم , وتجعل الغرب هو المركز , وتجعل الإنسان الأبيض هو صاحب المشروع الحضاري الوحيد الجدير بالاحترام والبقاء , ومن هنا عُبئ الرجل الأبيض الشهير , فهو وحده القادر على اختيار الطريق الصحيح , أما الآخر فهو عاجز ضالّ . وفي هذا الإطار ظهرت الفاشية والنازية ثم الصهيونية وهي دعوة لحل مشاكل أوروبا (المسألة اليهودية) عن طريق تصديرها للشرق .

فحينما كان هِرْتِزِل يتحدث عن إنشاء دولة يهودية يضمنها "القانون الدولي العام" -فإنه كان يعني "القانون الغربي الاستعماري" , الذي يتحكم في العالم ويقسمه حسب رؤيته ومشيئته , ثم صدر وعد بلفور في هذا الإطار , إذ أعطت بريطانيا الحق لنفسها في أن تمنح أرض فِلسطين للفائض البشري اليهودي في الغرب , وأن تنقل من فِلسطين سكانها الأصليين (تمت الإشارة إليهم باعتبارهم العناصر "غير اليهودية" , أي "غير الغربية" , ومن ثم فهم يقعون خارج نطاق الحقوق والمسئوليات) , ثم قام النظام الدولي - مرة أخرى من خلال هيئة الأمم المتحدة - بتقسيم فِلَسطين ومنح الوجود الصهيوني شرعية مستمدة من شرعيته الدولية هذه , ثم استمر النظام الدولي - متمثلاً في شِقِّيه الرأسمالي والاشتراكي - بالاعتراف بالدولة الصهيونية , ودعمها إما بشرياً عن طريق نقل المادة البشرية من شرق أوروبا , أو مالياً وعسكرياً عن طريق الدعم المالي والعسكري من غرب أوروبا والولايات المتحدة , وهو دعم ظل يتزايد في حجمه ونوعه يوماً بعد يوم , حتى وصل إلى التحالف الاستراتيجي المعلن بين "إسرائيل" والولايات المتحدة , مؤكداً بذلك أن الغرب - صاحب النظام الدولي - هو المهيمن على العالم , وأن العالم هو المسرح , وأن الجنس البشري هو المادة التي وظفها لصالحه .

هذه رؤية ثنائية حادة تنكر تاريخ الآخر وإنسانيته , ولا تقبل به إلا كمادة استعمالية , وقد تكررت ممارسات النظام الإمبريالي الدولي القديم بأشكال تتراوح بين درجات مختلفة من الحدة والتبلور في أنحاء آسيا وإفريقيَّة وأمريكا اللاتينية , وكان يمكن للاستعمار أن يستمر على شكله القديم , ولكن حدثت تطورات تاريخية عميقة لا تشكل لحظة إفاقة أخلاقية تاريخية - وكيف يمكن أن نتوقع هذا من حضارة مؤسسة على أساس القانون الطبيعي والفلسفة النيتشوية والداروينية ؟! - وإنما تشكل لحظة إدراك ذكية من جانب الغرب لموازين القوى , أدت إلى ظهور النظام العالمي الجديد الاستعماري .

ونحن نلخص أسباب ظهور هذا النظام الجديد فيما يلي :

أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية , وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة.

أدرك الغرب استحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث , التي أصبحت جماهيرها أكثر صحواً , ونُخبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية .

أدرك الغرب أنه على الرغم من هذه الصحوة , فثمة عوامل تفكك بدأت تظهر في دول العالم الثالث , فقد ظهرت نخب محلية مستوعبة تماماً في المنظومة القيمية والمعرفية والاستهلاكية الغربية - يمكنه أن يتعاون معها ويجندها , وهي نخب يمكن أن تحقق له - من خلال السلام والاستسلام - ما فشل في تحقيقه من خلال الغزو العسكري .

لكل هذا , أدرك الغرب إمكانية اللجوء للإغواء والإغراء بدلاً من القمع , والاستفادة من التفكك لضرب التماسك بدلاً من الهجوم التدميري المباشر ؛ وبذا يحل إشكالية عجزه عن المواجهة ويتخلى عن مركزيته الواضحة وهيمنته المعلنة , ليحل محلها هيمنة بنيوية تغطيها ديباجات العدل والسلام والديمقراطية التي ينقلها البعض ببَبْغائية مذهلة . ويمكن أن نتعامل بشيء من التفصيل مع التغيرات العالمية التي تشكل إطاراً لظهور النظام العالمي الجديد كما يلي :

على المستوى العسكري

أدت مرحلة الحرب الباردة بين الدولتين العظميين إلى إرهاقٍ متبادل لهما , نتيجة الدخول في سباق للتسلح لا نهاية له , خصوصاً وأن تطوير تقنية السلاح أصبح مسألة مكلفة للطرفين بشكل لا يطيقه أي منهما , وعلى الرغم من "انتصار" الولايات المتحدة , إلا أن النزيف قد أثر فيها , وقد أصبحت الحروب الحديثة أمراً مكلفاً للغاية , يتطلب تمويلاً ضخماً يصعب على أي دولة - بما في ذلك الولايات المتحدة - القيام به , خصوصاً وأن ثمة أزمة اقتصادية عالمية , تجعل من الصعب على الشعوب الغربية القبول بتخصيص اعتمادات عسكرية كبيرة في وقت تقوم فيه كثيرٌ من الدول الغربية بتصفية مؤسسات الرفاه الاجتماعي .

تراجعت القدرات العسكرية للاستعمار الغربي ؛ بسبب تصاعد معدلات العلمنة والتوجه الحاد للإنسان الغربي نحو المنفعة الشخصية واللذة المباشرة التي لا يمكن إرضاؤها إلا بالإشباع الفوري , وقد أدى هذا إلى انخفاض الروح النضالية لدى الإنسان الغربي وإلى ارتفاع تكاليف الحملات العسكرية . وقد صرح المتحدثون باسم المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن إمكانياتها قد أُجهدت تماماً أثناء العمليتين المتزامنتين لإنزال الجنود الأمريكيين في كلٍّ من غرانادا ولبنان , وذلك على الرغم من صغر حجم العمليتين ؛ بسبب تضخم قطاع الخدمات في القوات المسلحة - تماماً كما يحدث في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة , إذ يتطلب إنزال جندي أمريكي واحد خدمات عدة جنود , يصل عددهم أحياناً إلى عشرة , مما يعني أن إنزال عشرة آلاف جندي يشغل ما بين خمسين ومائة جندي آخر ! (وقد كانت حرب الخليج خليطاً من المأساة والملهاة في هذا المضمار ؛ بسبب معدل الرفاهية العالي) .

تراجعت الهيمنة العسكرية الغربية ؛ بسبب ظهور دولٍ لها قوة عسكرية ضاربة وقوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية , مثل كوريا الشمالية والصين , وربما باكستان.

أدرك الغرب - في الوقت نفسه - عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية , خصوصاً بعد تجربته المريرة في فيتنام (تجرِبة الانتفاضة الفِلَسطينية المستمرة وتجربة أفغانستان الناجحة) .

ظهور أسلحة دمار رخيصة مثل الصواريخ ذات الرؤوس الميكروبية (قنبلة الفقراء النووية على حد قول أحد المعقلين) , بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الفدائية على الحصول على أسل

المزيد


برنامج الإخوان .. وثيقة دخول للمأزق

أكتوبر 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

 

إعداد - سمير حسين أبو زعقوق

"لأول مرة منذ ثمانين عاما تطرح جماعة الإخوان المسلمين في مصر برنامجا حزبيا"، بهذا يفتتح الباحث خليل العناني - الباحث في شئون الحركات الإسلامية - بحثه عن برنامج حزب الإخوان المسلمين، معتبرا إرسال البرنامج للنخب بادرة إيجابية لإثبات حسن النية، لكن هذا لم يمنعه أن يرى في طريقة إذاعة البرنامج أنه قد تخللها لبس، حيث تم تمرير البرنامج بسرية تامة إلا من تسريبات هنا وهناك، وكان الأجدر أن يتم إعلان البرنامج على أصحابه الأصلاء: الشعب المصري، بنخبه وعوامه، عن طريق مؤتمر صحفي عام، ويصبح للجميع حق الإشادة أو حق التحفظ.

يرى العناني البرنامج أول وثيقة إخوانية تصدر بشأن حزب سياسي، وما عدا ذلك مجرد إعلان نوايا بأوراق سياسية لم تكتمل، وبالتالي صار للإخوان في رأيه معيار للاحتكام والمساءلة، ومؤشر للتطور واقتحام الحواجز.

الوثيقة ليست نبتا عفويا، بل يدفعها تاريخ من التجريب السياسي كما تؤكده الدراسة، بدأ بقرار الإخوان بدخول مجلس الشعب عام 1984، عبر حزب الوفد، حيث بزغت أولى قناعات العمل الحزبي، وضرورة تأسيس حزب من أجل التكامل والشمول، بحسب عمر التلمساني، الذي ترجم هذه الرؤيا عام 1986 في حزب الشورى، ثم تجددت في أوائل تسعينيات القرن الماضي مع حزب الإصلاح، لحقها محاولة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح التي أحيطت بالسرية، ثم حزب الأمل لصاحبه محمد السمان، والخامسة والأخيرة مشروع حزب الوسط الذي أثار جدلاً وانشقاقا.

ثم جاءت المحاولة الأخيرة في منتصف يناير 2007، حين أعلن المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف عن نية الجماعة تأسيس حزب سياسي، وصفها العناني بأنها أقرب لرد الفعل على حملة التصعيد التي تعرضت لها الجماعة عقب أحداث جامعة الأزهر، أكثر من كونها تعبيرا عن مراجعة فكرية بضرورة وجود حزب سياسي يعبر عن الجماعة ويحقق طموحاتها السياسية، مشيرا إلى أنه في الغالب قد تلقى هذه المحاولة مصير ما لقيته سابقاتها.

وفي تقييم الباحث للبرنامج قال: "يكاد يكون البرنامج أقرب لوثيقة "دينية" إرشادية (وعظية) أكثر من كونه برنامجا سياسيا برجماتيا، فهو إذ يستعرض الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد، يحاول ترسيخ فكرة "الحل الإسلامي"، بصيغته الفضفاضة، وليس من خلال رؤية سياسية "مدنية" واقعية".

وقد أوضح العناني ذلك من خلال بعض الملاحظات الشكلية منها:

- تصدير البرنامج بديباجة إنشائية تشرح الوضع المأزوم، وهو ما يعطي انطباعا بأن بقية البرنامج سيركز على تشخيص الواقع دون طرح رؤية واقعية لكيفية معالجة هذه الأوضاع المأزومة التي تعيشها مصر.

- تداخل المبادئ والسياسات وطرق المعالجة، عكس قدرا من التخبط وغياب الرؤية المتكاملة.

- عدم التوازن بين التعميم والتفصيل بين بنود البرنامج.

- هيمنة منطق الاحتراز والتحوط والتخوف من الوقوع في المحظور.

- الإفراط في استخدام مفاهيم واصطلاحات ليست محل خلاف، مثل: الحرية والعدالة والمساواة، التي جاءت غير واضحة، والشورى ومدى ارتباطها بالديمقراطية، والدولة المدنية … إلخ.

وعن الملاحظات الموضوعية على البرنامج قال الباحث: "بدا حشر المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ملفتا للنظر، فلا مبرر من الانطلاق من عنصر راسخ في الدستور".

ومن الملاحظات الموضوعية التي أخذها العناني على البرنامج:

- اهتم البرنامج بالإصلاح السياسي والدستوري، وكان الأجدر أن تتم إضافة "الإصلاح الديني" كمنطلق أساسي لبقية جوانب الإصلاح.

- سيطرة سمة التردد والغموض على بنود الحزب.

- تبدو الأهداف التي وردت في برنامج الحزب كما لو كانت تجميعا لشتات من الأمنيات الشاردة التي وُضعت في قالب واحد فانكشف نشازها، واتسامها بقدر من العمومية والتبسيط، يسهل على أي تجمع أو تنظيم سياسي أو أهلي أن يضعها كأهداف عامة لبرنامجه.

- خلا برنامج الحزب من الإشارة للوصول إلى السلطة، مع أنها هدف رئيسي لأي حزب سياسي.

- أي برنامج حزبي لا بد أن ينصرف إلى الجوانب العملية البراجماتية "برنامج سياسي مدني"، بعيدا عن مظلة السلوكيات والأخلاق، إلا أن برنامج حزب الإخوان انشغل في أهدافه بالتأكيد على نشر وتعميق الأخلاق والقيم الحقيقية لمبادئ الإسلام.

وفي تعليقه على الجزء الخاص بالسياسات والإستراتيجيات في برنامج حزب الإخوان، يقول الباحث: "هذا القسم يمثل حجر الزاوية في تقييم البرنامج الحزبي للإخوان؛ ذلك أنه يحدد طبيعة التفكير السياسي السائد داخل الجماعة، وقد عبر بشكل وافٍ عن مدى ضعف الخيال والتنظير السياسي داخل الجماعة، حيث يلاحظ أن البرنامج يرتكن إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو أمر يحتاج جهدا طائلاً من الجماعة لفهم وتقنين منهج المقاصد، ولا أظن أن الجماعة لديها الوقت للقيام بذلك".

ويتابع العناني: "كما أن النص على حماية مقاصد الشريعة يعني أن أحد أهداف الحزب الرئيسية تطبيق الشريعة، وهو هدف مسكوت عنه في البرنامج بشكل يبدو متعمدا، وكان الأولى الإعلان عن ذلك صراحة كما فعل حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن".

ويرى الباحث أن تأكيد الحزب على ضرورة تطبيق مرجعية الشريعة الإسلامية من خلال هيئة كبار علماء الدين يدشن لإقامة حكم ثيوقراطي يسلِّم رجال الدين أعنة السلطة، مما يضعنا أمام نخبة شيعية للحكم، أقرب إلى النموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه.

وعن الدولة والنظام السياسي، يشير البرنامج إلى أن الإسلام رسخ نموذجا للدولة، وهو قول مردود عليه، فالإسلام لم يفرض نموذجا محددا للدولة، ولم يرد في القرآن أو السنة نصا يحدد ملامح هذه الدولة ونظامها السياسي، وكان أجدر بالجماعة أن تراجع أدبيات الحركة الإسلامية في هذا المجال، ومنها حزب العدالة والتنمية.

ويرى الباحث أن هناك استخداما عشوائيا لمصطلحات خصائص الدولة وفقا للتصور الإسلامي، فتعريف الدولة بأنها دولة مواطنة هو تعريف فضفاض لا يجيب على أسئلة كثيرة مطروحة على الجماعة، مثل تولي المرأة أو النصراني منصب رئاسة الدولة، بوصفهما مواطنين مصريين.

أما الدولة الدستورية حسبما يحددها البرنامج، فهي تتعارض شكلا وموضوعا مع ما طرحه البرنامج في بند الأسس والإستراتيجيات حين تحدث عن إقامة هيئة علماء.

وفي البرنامج خلط كبير بين مفهوم الشورى والديمقراطية، ويتساءل العناني: ما هي قواعد الشور

المزيد


تسامح الإسلام مع غير المسلمين، دار الإفتاء المصري

أغسطس 3rd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

 

العنـــــوان:     تسامح الإسلام مع غير المسلمين

مصدرها:       دار الإفتاء المصرية

التاريخ:         20.08.2005

أبحاث:

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه بكل ما في الكون إلى صراط مستقيم، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه حتى يرضى الله به علينا يوم الدين.

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وخاتم رسل الله للعالمين، سيدنا محمد r ، الذي فاق كل النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحابته أجمعين، وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد.

فقد نظر الإسلام إلى الآخر (أو لغير المسلم) منذ نشأته الأولى نظرة تكامل وتعاون، وكيف لا وكان الآخر في أول الدعوة الإسلامية هو مجموع البشر إلا سيدنا محمد r ، فكيف لدين لا يقوم على التسامح والتعاون ينتشر هذا الانتشار الرهيب الملحوظ في سنوات معدودة بين العرب ويستمر عبر القرون، ويقود الإنسانية بأسرها قروناً عدة إلى فضائل الأخلاق وتعمير الأرض ؟

وقد وضع الإسلام قواعد واضحة للعائلة البشرية؛ حيث أعلن أن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة، مما يعني وحدة الأصل الإنساني، فقد قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِه وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا ًً﴾ ( ) ، والناس جميعاً في نظر الإسلام هم أبناء تلك العائلة الإنسانية، وكلهم له الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز، فالإنسان مكرم في نظر القرآن الكريم، دون النظر إلى دينه، أو لونه، أو جنسه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴾ ( ).

ودستور الإسلام في التعامل مع غير المسلمين يتلخص في قوله تعالى : ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ( )، فالآية واضحة في أننا نحن المسلمين عندما لا يريد الآخرون أن ينضموا إلى مدرسة الإسلام، فعلينا صلتهم، والعدل معهم، ومعاملتهم المعاملة الطيبة، بناءً على مبدأ الاحترام المتبادل، والعلاقات الإنسانية والمصالح المشتركة.

وغير المسلمين من وجهة نظر الإسلام لهما مجالان : المجال الأول : هو الفرد غير المسلم في المجتمع الإسلامي، والمجال الثاني : هو الجماعة غير المسلمة المتعاملة مع الدولة الإسلامية. والإسلام ضرب أورع النماذج المثالية في التعامل مع غير المسلم في المجالين، وكان نموذجاً يحتذى به في التعامل مع الآخر سواء في نظامه التشريعي أو النظري، أو في نظامه التطبيقي وهو ما يشهد به التاريخ الإنساني عبر القرون.

غير المسلم باعتباره فرد في دولة الإسلام

فعلى مستوى غير المسلم كفرد في المجتمع المسلم تعامل معه الإسلام في تشريعه والمسلمون في تطبيقهم على أنه حقيقة واقعية؛ حيث حدد الإسلام المنهج القويم في ضبط العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل الديانات الأخرى في المجتمع الإسلامي، وسار المسلمون قرونا طويلة يقررون هذه الحقيقة بالتطبيق العملي، ويضربون للعالم بأسره أروع الأمثلة في إمكانية تعايش المسلمين مع غيرهم في سلام وأمان.

وقد تعامل الفقه الموروث القديم مع غير المسلم من خلال ما يسمى أو يعرف بعقد الذمة، و«الذمة» كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله وعهد الرسول r، وعهد جماعة المسلمين : أن يعيشوا في حماية الإسلام، وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم، بناء على «عقد الذمة» بينهم وبين أهل الإسلام . فهذه الذمة تعطي أهلها «من غير المسلمين» ما يشبه في عصرنا "الجنسية" السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم. فالذمي على هذا الأساس من «أهل دار الإسلام» كما يعبر الفقهاء ( ) أو من حاملي «الجنسية الإسلامية»( ) كما يعبر المعاصرون.

ومن خصائص هذا العقد أنه عقد مؤبد( )، يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم، وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية ورعايتها.

حقوق غير المسلم في المجتمع المسلم :

الأساس في حقوق غير المسلم في المجتمع المسلم أنهم لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين؛ ولذلك كفل النظام التشريعي الإسلامي ـ وطبقه المسلمون عبر التاريخ ـ جميع حقوق المسلمين لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي حيث كفل له حقه في حرية الاعتقاد، وفي ممارسة الشعائر الدينية، وحقه في العمل وتكوين الثروات، وحقه في تولي المناصب العليا في الدولة الإسلامية، وحقه في الأمن، والرعاية الصحية، حمايته من الاعتداء الخارجي، والاضطهاد الداخلي، وعصم دمه، وماله، وعرضه، وكفله ماديا عن العجز أو الفقر.

حق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية :

وأول هذه الحقوق والحريات التي كفلها المنهج الإسلامي القويم هو حق الاعتقاد والتعبد، فالإسلام لا يأمر الناس بالدخول فيه بالقوة أو بالسيف بل بالاقتناع، ولذلك كفل حق غير المسلم في المجتمع المسلم في أن يعتقد ما يعتقد، وأن يتعبد بما يتعبد، طالما أنه لا يؤذي المسلمين ولا يظاهر عليهم، فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه ليتحول منه إلى الإسلام، وأساس هذا الحق قوله تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾( ) ، وقوله سبحانه : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين ﴾َ( ).

وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم ورعى حرمة شعائرهم، بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز ٌ ﴾ ( ).

ولما توسعت رقعة الدولة الإسلامية زمن النبي r، كان هناك مجموعة كبيرة من القبائل المسيحية العربية، وبخاصة في نجران، فما كان منه r، إلا أن أقام معهم المعاهدات التي تؤمن لهم حرية المعتقد، وممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة، إضافة إلى ضمان حرية الفكر والتعلم، فلقد جاء في معاهدة النبي لأهل نجران : " ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملّتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وَبِيَعهم، وصلواتهم، لا يغيروا أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته، ولا واقفا عن وقفانيته. إلى أن قال : " وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا " ( ).

فقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي r إلى أهل نجران، أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملَّتهم وبِيَعهم.

وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس) نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم : "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتهم، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود . . " ( ).

وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم" ( ).

وبُنِيت في مصر عدة كنائس في القرن الأول الهجري، مثل كنيسة «مار مرقص» بالإسكندرية ما بين عامي (39 - 56 هـ) .كما بُنِيت أول كنيسة بالفسطاط في حارة الروم، في ولاية مَسْلمة بن مَخْلَد على مصر بين عامي (47 - 68 هـ ) كما سمح عبد العزيز بن مروان حين أنشأ مدينة «حلوان» ببناء كنيسة فيها، وسمح كذلك لبعض الأساقفة ببناء ديرين( ) .

وهذا التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين، وتم لهم به النصر والغلبة، أمر لم يُعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم. يقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون : «رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته». وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابين أو المؤمنين القليلين الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، يقول ـ على سبيل المثال ـ روبرتسن في كتابه «تاريخ شارلكن» : «إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية»( ).

حق غير المسلم في العمل وتولي المناصب :

أعطى التشريع الإسلامي لغير المسلم حق العمل، والتكسب، وتكوين الثروة، فلم يحدد ملكيتهم ولا يمنعهم من مزاولة أي الأعمال شاءوا، وهذا ما يتضح في المنهج العملي الذي شاهده العالم بأسره.

فلغير المسلمين حرية العمل والكسب، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين.

وكادت بعض المهن تكون مقصورة عليهم كالصيرفة والصيدلة وغيرها . واستمر ذلك إلى وقت قريب في كثير من بلاد الإسلام .

وقد جمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة معفاة من الزكاة ومن كل ضريبة إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح، كما سيأتي، وهي مقدار جد زهيد.

قال آدم ميتز: "ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم، بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهودًا . على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى . وكان رئيس النصارى ببغداد طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده "( ).

تولي المناصب الكبرى :

ولغير المسلمين الحق في تولي وظائف الدولة كالمسلمين . إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات، ونحو ذلك.فالإمامة أو الخلافة رئاسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي r ولا يجوز أن يخلف النبي في ذلك إلا مسلم، ولا يعقل أن ينفذ أحكام الإسلام ويرعاها إلا مسلم.وقيادة الجيش ليست عملاً مدنيًا صرفًا، بل هي عمل من أعمال العبادة في الإسلام، إذ الجهاد في قمة العبادات الإسلامية.

والقضاء إنما هو حكم بالشريعة الإسلامية، ولا يطلب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به، ومثل ذلك الولاية على الصدقات ونحوها من الوظائف الدينية.

واقتصار هذه المناصب على الأكثرية هو ما تجده في كل المجتمعات غير الإسلامية أيضا، فما شهد التاريخ القديم أو الحديث بأن المسلم تولى رئاسة الدولة أو الحكومة أو القضاء في دول غير إسلامية، ولذلك فاعتبار هذا اضطهاداً مسلك بعيد عن الإنصاف.

وما عدا ذلك من وظائف الدولة، يجوز إسناده إلى أهل الذمة إذا تحققت فيهم الشروط التي لا بد منها من الكفاءة والأمانة والإخلاص للدولة.

وقد بلغ التسامح بالمسلمين أن صرح فقهاء كبار - مثل الماوردي في «الأحكام السلطانية» بجواز تقليد غير المسلم «وزارة التنفيذ». ووزير التنفيذ هو الذي يبلغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها ويمضي ما يصدر عنه من أحكام.

وقد كان سرجون كاتبا لمعاوية بن أبي سفيان وصاحب أمره ، كما أصبح سرجون هذا من أهم مستشاري يزيد بن معاوية( )، وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين بعض النصارى أكثر من مرة، منهم عيسى بن نسطورس سنة 380هـ، كما استُنيب منشا اليهودي بالشام( ).

وقد بلغ تسامح المسلمين في هذا الأمر أحيانًا إلى حد المبالغة والجور على حقوق المسلمين، مما جعل المسلمين في بعض العصور، يشكون من تسلط اليهود والنصارى عليهم بغير حق.

وقد قال المؤرخ الغربي آدم ميتز: «من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال (الولاة وكبار الموظفين) والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أشعار المسلمين شكوى قديمة»( ). في هذا المعنى يقول أحد الشعراء المصريين( ) في يهود عصره وسيطرتهم على حكامه: غاية آمالهم وقد ملكـوا 0 يهود هذا الزمان قد بلغــوا 0 ومنهم المستشار و الملك0 المجد فيهم والمال عندهمــو 0 تهودوا، قد تهود الفلك0 يا أهل مصر، إني نصحتُ لكم0 حق الأمن والحماية :

إن المجتمع الإسلامي مجتمع الأمن و

المزيد


هل الإسلام هو الفقه و الفقه هو الإسلام؟

أغسطس 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

هل الإسلام هو الفقه و الفقه هو الإسلام؟

د. طالب عزيز..

طريقة واحدة- منذ بداية طور الانحطاط الذي أصاب الحضارة الإسلاميّة- شاعت عند المسلمين –على اختلاف بيئاتهم ومشاربهم-في فهمهم للإسلام وكيفية تطبيقه في الحياة العامة، هي طريقة الفهم الفقهي الذي لا يكاد يتجاوز النظرة التشريعية؛ فغالبية المسلمين منذ بدأت عصور الانحطاط ينظرون إلى الإسلام كقانون الهي يلزم على المؤمنيين الانصياع إلى بنوده وتطبيقه بحذافيره الدقيقة، ولا يعتبرون التدين إلّا ذلك التسليم بأوامر الله سبحانه ونواهيهه والالتزام بحكم الشريعة. والإسلام بهذا المنطلق في بعده العام والخاص ليس إلا قانوناً، وعليه فما على المسلمين إلا الرجوع إلى القانون في كل صغيرة وكبيرة لمعرفة الحكم الشرعي وما يستوجب عليهم من عمله وتطبيقه في كل شاردة وواردة في الحياة العامة والخاصة. ولم يعد الإسلام بهذا رسالة يجب على المؤمنين به استلهام الوحي من معانيها العامة، وعليه فلم يعد مطروحاً هنالك مسألة سوء الفهم، بقدر ما عاد المطروح مسألة ما إذا كنت مقصّراً في أداء الواجب، وهو أمر خطير جدّاً أوصل التعاطي الإسلامي مع الإسلام باعتبار أنّ المسألة لم تعد مسألة فهم بل مسألة عمل وتنفيذ واجبات ممّا مكّن للرسوم الشكليّة أن تأخذ دورها في المقام الأول، ويتنحّى الجانب العقلاني بعيداً؟

والسبب في هذا التداخل والتشابه بين المذاهب الإسلامية إنما هو نابع من أن أئمة هذه المذاهب الفقهية إنما هم تلامذة بعضهم البعض. فقد تأسست المدرسة الفقهية الإسلامية على يد الإمام الصادق عليه السلام في بداية القرن التاني الهجري واستمرت إلى منتصف القرن الثالث بوفاة الإمام أحمد ابن حنبل. ومن الملاحظ أن الذي أرسى قواعد هذه المذاهب الفقهية ليسوا هم أئمة المذاهب المعتبرين أنفسهم وإنم

المزيد


أولية العقل- نقد أطروحات الإسلام السياسي

أغسطس 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

كتاب أولية العقل- نقد أطروحات الإسلام السياسي

عرض/ إبراهيم غرايبة

 
يهتم الكتاب بمناقشة أطروحات مشتركة للحركات الإسلامية تثير أسئلة فلسفية، وأهم هذه الأطروحات:

  • النقل ذو أسبقية على العقل
  • الإسلام دين ودولة
  • لا يمكن للإنسان أن يتدبر شؤون دنياه من دون توجيه إلهي
  • لا اجتهاد في مورد النص
  • لا تعارض بين قيام دولة إسلامية والديمقراطية في بعض جوانبها

- اسم الكتاب: أولية العقل- نقد أطروحات الإسلام السياسي
-
المؤلف: عادل ضاهر
-
عدد الصفحات: 415
-
الطبعة: الأولى 2001
-
الناشر: دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت

"منذ أطلق حسن البنا شعار "الإسلام دين ودولة" تحول هذا الشعار من كونه خاصا بحركة الإخوان إلى شعار مشترك بين الحركات الإسلامية"

"الربط بين الإسلام والسياسة يقول به أيضا كتاب لا تربطهم بالحركة الإسلامية رابطة مثل أدونيس فهو يرى أن السياسة في الإسلام بعد جوهري من أبعاد الدين"
"لا يفعل الإسلاميون أكثر من إحياء أفكار قديمة حول الاجتهاد تتلخص في فكرة واحدة أساسية ألا وهي أنه لا اجتهاد في مورد النص"

"يعتقد بعض المفكرين من غير الإسلاميين مثل محمد عابد الجابري بإمكانية تعايش الديمقراطية مع نظام إسلامي غير علماني ويعتقد أن العلمانية مشكلة مصطنعة اختلقت من قبل مفكرين مسيحيين في المشرق ظنا منهم أن العلمانية هي الضمان لحقوق الأقليات أو لحل مشكلة الحريات والحقوق عموما"

ويشكك المؤلف في مشروعية إسناد الأطروحة الخامسة إلى الإسلاميين، وإن كان من بينهم من يؤيد هذه الأطروحة ظاهريا، وبخاصة في إصرارهم على أن نظام الشورى هو المعادل الإسلامي للنظام الديمقراطي، ولكن مع افتراض أنهم يتبنون فعلا هذه الأطروحة فإنها برأيه ليست صحيحة ولا يمكن تطبيقها.

ويرد المؤلف على هذه الرؤية التي يقدمها على أنها العودة إلى النصوص لتوجيه شؤون الحياة، وأن هذا هو المنهج الصحيح الذي يعصم من الخطأ، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون في الوضع المعرفي الصحيح إزاء ما ينبغي عمله في المجال العام من دون المرجعية العليا المتمثلة بالنص المقدس، ولا يجوز الاجتهاد إلا في الحالات التي لا تكون مشمولة بنص صريح.

الديمقراطية والإسلام والعقل

ويشغل المؤلف نصف الكتاب في مسألة أولية العقل وأنه لا مجال لديمقراطية أساسا إلا إذا قامت على العقل، ومن ثم فليس هناك نظام إسلامي ديمقراطي حتى ولو اقتنع القائمون عليه بالديمقراطية ويريدون تطبيقها بالفعل. ويعرض النتائج التي أراد الوصول إليها وهي:

  • لا يجوز النظر إلى علاقة الإسلام بالسياسة أو الدولة على أنها شيء في صلب ماهيته العقدية.
  • من المتناقض أن نفترض أن الإنسان عاجز عن تدبر شؤون دنياه من دون توجيه إلهي في الوقت الذي نفترض عدم عجزه عن معرفة الله.
  • لا يجوز تعطيل الدور الاجتهادي للعقل بأي نص ديني.
  • الكلام على دولة دينية ديمقراطية ما هو إلا إرداف خلفي.

وتتلخص أطروحة المؤلف في أن المصدر غير العقلي لأي اعتقاد لا يتجاوز كونه مجرد اعتقاد ولا يرقى إلى مستوى المعرفة من دون سند عقلي، فإذا كان المصدر غير العقلي له سلطة ما فإن هذه السلطة لا يمكن أن تكون نهائية، إذ لا يمكننا أن نستبعد قبليا حصول تعارض بينها وبين سلطة أخرى فتنشأ الحاجة إلى اللجوء إلى اعتبارات مستقلة للحسم، وحتى في غياب تعارض كهذا فإنه يشترط لأي سلطة نلجأ إليها أن تكون سلطة موثوقة وذات خبرة وعلم بالأمور التي نلجأ إليها بخصوصها، وشرط كهذا لا يتعلق بنظرتنا إلى هذه السلطة ومدى احترامنا لها وثقة فيها مبنية على اعتبارات مستقلة عن هذه السلطة، وما عساها تكون هذه الاعتبارات إن لم تكن اعتبارات عقلية؟.

ويبقى العقل وحده هو الدليل لمن لديه ملكة إدراكية، ولا يمكن القبول بكل ادعاء بالحيازة على ملكة خاصة في الإدراك على علاته لأنه ليس كل من يدعي أن لديه ملكة كهذه يحوز عليها فعلا.

ولا يمكن إحراز تقدم في مجال المعرفة باللجوء إلى الطرق غير العقلية وحدها فهي طرق غير مرنة ولا تسمح بالاعتراف بإمكان تعرضها للخطأ وإعادة النظر في النتائج التي توصلنا إليها.

واللجوء إلى الطرق النقلية يختلف جذريا عن الطرق غير العقلية، فاحتمال الوقوع في الخطأ سمة جوهرية لأن هذا يعني اعتبار النتائج التي توصلنا إليها غير نهائية وقابلة للمراجعة والشك.

المزيد


حسام تمام، الإخوان والفن.. من المفيد الهادف للممتع النظيف!

أغسطس 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

الإخوان والفن.. من المفيد الهادف للممتع النظيف!
حسام تمام

يبعد كثيرا عن الصواب من يحاول التعرف على علاقة الإخوان المسلمين -والإسلاميين عموما- بالفن مقتصرا على قراءة وتحليل إنتاجهم الفقهي والفكري في قضايا الفن وإشكالاته؛ إذ غالبا ما سينتهي إلى حكم غير الواقع أو نقيضه ربما.

فعلى غير طبائع الأشياء كانت علاقة الإخوان المسلمين بالفن؛ فالبدايات المبكرة والمنفتحة على الفن والمتفهمة لطبيعة وأهمية دوره لم تكن تنبئ بهذا الموقف الملتبس والقلق والمتوجس من الفن الذي وصلت إليه الجماعة في مراحل تالية بعدها بنصف قرن! كما وقف الضعف والالتباس الذي وسم رؤيتها الفكرية واجتهادها الفقهي على النقيض تماما مما حدث في الممارسة والتطبيق الذي يقول الواقع إنه كان أسبق كثيرا من التنظير، وإنه إن لم يكن أكثر نضجا فقد كان أكثر جرأة في القفز على الإشكالات التي وقف أمامها فقهاء الإخوان ودعاتهم ومفكروهم.

البداية بالفن الهادف

حين أسس الإمام حسن البنا جماعته -الإخوان المسلمين- عام 1928 كان الفن أحد أهم المساحات التي حددها لحركة جماعته ذات الطابع الإصلاحي الشامل، واجتمعت للبنا جملة من السمات والأفكار والظروف سمحت بوجود محوري للفن في دائرة تصوره وحركته كان أهمها نشأته الصوفية التي وسعت في آفاق فكره وفقهه السني السلفي إلى أقصى حدوده، وطبيعة مشروعه الإصلاحي الشمولي الذي قدم الإسلام -على غير صورته التقليدية التي كان يمثلها علماء الدين- كمنهج شامل للحياة، ومن ثم فلم يكن ليغيب عنه جانب المتعة والترفيه، إضافة إلى خصوصية هذه المرحلة الليبرالية التي عاشت فيها مصر حقبة من الليبرالية الحقيقية أنعشت فيها -رغم قسوة الاحتلال البريطاني- روح الحرية والحركة؛ وهو ما انعكس على أفكار وممارسات كل تياراته الفكرية والسياسية بما فيها الإسلامية.

لم يترك البنا وقتا في كسر الصورة الذهنية السلبية التي تكونت في أذهان المتدينين عن الفن، وتجاوز الجانب التنظيري تماما مفضلا أن يقدم الفن بالصورة التي يرى أنها الأمثل: الفن الهادف المفيد! وهو فن للمتعة فيه رسالة وليست هدفا في ذاتها.

أدخل البنا في برامج تكوين جماعته -التي كانت تتمتع بالقانونية وقتها- عددا من الأشكال الفنية بدأت بالنشيد الديني والإسكتش الذي يقدم في الرحلات والحفلات بل ولقاءات الجماعة الدينية الخاصة.. وقد تطور النشيد الديني باتجاه النشيد السياسي مع توغل الجماعة وانغماسها في السياسة وما صاحب نمو الجماعة وانتشارها بعدما وصل عدد أعضائها قبل وفاته (1949) إلى نصف المليون من تعداد مصر البالغ 17 مليون نسمة وقتها (بحسب ما كتبه إحسان عبد القدوس في روزاليوسف وقتها)، وكان نشيد "يا معشر الإخوان" الذي كتبه الشيخ أحمد حسن الباقوري من أشهر أناشيد هذه الفترة وكان أقرب إلى النشيد الحماسي الديني الذي يبث الحماسة ويساعد في حشد القواعد وتعبئتها على إيقاع ثوري تترد بين كلماته فاصلة جذابة تقول:

عن حوضكم حيث الرسول محمد     يا معشر الإخوان لا تترددوا

في دعوة الإسلام عزوا واسعدوا     نادتكم الفردوس فامضوا نحوها

وكان أهم تطور شهدته هذه الفترة في علاقة الإخوان بالفن تأسيس عبد الرحمن شقيق الشيخ حسن البنا لأول مسرح إسلامي عرف باسم "مسرح الإخوان المسلمين" الذي بدأ -وهذه المفاجأة- بتقديم أعمال عاطفية ورومانسية أولها مسرحية "جميل بثينة" التي تتناول إحدى أشهر القصص الغرامية في التاريخ العربي!

والملاحظة الجديرة بالانتباه أن مسرح الإخوان لم يتوقف عند الأسئلة التقليدية التي تطرح حتى الآن بين الإسلاميين وجماهير المتدينين عموما وتتمحور حول الفن، وأهمها سؤال المرأة: مبدأ وحدود مشاركتها في الأعمال الفنية وما يتفرع عنه من إشكالات فقهية وفكرية؛ إذ شارك في هذا المسرح نساء بينهن كبرى نجمات المسرح المصري في ذلك الوقت وعلى رأسهن فاطمة رشدي، وكانت عروضه تقدم في المسارح المعروفة بما فيها مسرح الأوبرا، ويشترك في إدارته عناصر من خارج الإخوان بل وغير مسلمين أيضا؛ فكان المسئول عن الدعاية من خارج تنظيم الإخوان وكان مسيحيا!

حقق مسرح الإخوان نجاحا كبيرا بمعايير وقته؛ فقد كان أقرب للمسرح الجماهيري الشعبي يجول أنحاء البلاد ويعتمد على شبكة التنظيم المتغلغلة في كل مدن وقرى مصر، ولم يكن مسرحا للنخبة بالعاصمة -القاهرة- فقط، كما كان محضنا تخرج فيه عدد من أبرز أعلام المسرح العربي مثل محمد السبع وعبد البديع العربي ومحمود المليجي وسراج منير وإبراهيم الشامي وعبد المنعم مدبولي الذي صار علما لواحدة من أشهر مدارس الكوميديا العربية عرفت باسمه (المدبوليزم)!

وهناك حديث في الأدبيات الإخوانية غير المكتوبة عن محاولات لحسن البنا نفسه لدخول مجال السينما بمساعدة بعض نجوم هذه الفترة الذين عرفوا بميولهم الدينية، مثل الفنان حسين صدقي الذي اعتزل الفن في آخر حياته ووقف منه موقفا سلبيا انتهى بإحراق نيجاتيف عدد من أفلامه، وتردد القول بأنه تأثر في موقفه الأخير بعلاقته الفكرية والشخصية بالمرحوم سيد قطب. ولكن علاقة البنا بصدقي -غير المؤكدة تاريخيا- لم تثمر شيئا.

صدام مع الثورة واتصال بالوهابية

وبنجاح ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952 بدأ عصر جديد للإخوان انتهى بالصدام الكبير مع الإخوان (1954)، وكانت نتيجته تصفية شاملة وعنيفة للجماعة انتهت بحلها قانونيا لتسلك طريقا مختلفا أثر على الحالة الإسلامية عموما طوال عقدي الخمسينيات والستينيات؛ ففي أجواء السجن والاعتقالات بدأ طريق العمل السري، وتحت الأرض لم يكن ممكنا الحديث عن مسرح أو فنون إلا ما كان يقدمه المساجين الإخوان من فقرات وإسكتشات ترفيهية، ونشأ وتغذى ات

المزيد


العمل الإسلامي وسؤال النهضة

أغسطس 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

العمل الإسلامي وسؤال النهضة

 

عمان - محمد سليمان

         

لقد استنزفت هذه الصراعات كثيرًا من طاقات الحركات الإسلامية، وصرفت العديد من مجهوداتها، وأدّت في المحصّلة إلى تغوّل الجانب السياسي على طبيعة أدبيات واهتمامات هذه الحركات، وأصبح الخطاب الأيدلوجي هو المهيمن على تفكير أبنائها، وغابت مسألة النهضة والحضارة عن طبيعة الوظيفة الاجتماعية للحركات الإسلامية، وعلت جدليات التعامل مع الأنظمة، وسيطرت على أدبيات هذه الحركات.

وللأمانة نقول: إنّ الصراع السياسي الذي لم تبدأه الحركات الإسلاميّة في كثير من الأحيان قد سرق طاقات الشباب الإسلامي، ووظّف جزءًا كبيرًا منها في المكان غير الملائم؛ فغلب منطق الخطاب السطحي العام المليء بلغة الإنشاء والشعارات الفضفاضة، ومفردات "الفكر المعلّب" بما لا يقارَن بحال من الأحوال مع الخطاب الحضاري والمعرفي الذي قدّمه جيل الرواد.

منذ أن أفاق العالم الإسلامي على هدير الحضارة الغربية في لحظات التعارف الأولى مع الاستعمار الغربي، والعقل المسلم يسعى جاهدا لتلمس طريق النهضة والخروج من ظلمات التيه، وكان السؤال الذي لخّص المشكلة الحضارية التي أرقت هذا العقل -وما زالت- هو: لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟

وقد انبرى رواد النهضة في محاولات فكرية ومعرفية جادة للتعامل مع هذه المشكلة الحضارية، وقد شكلت هذه المحاولات حوارا فكريا وجدالا معرفيا لم يُستثمر الكثير من كنوزه إلى الآن، ثمّ جاءت الحركات الإسلامية لتنقل ساحة المعركة والصراع من ميادين الثقافة والفكر إلى ميادين العمل الحركي، وحققت في فترة قصيرة نجاحات اجتماعية وسياسية واسعة، وأصبحت رقما صعبا في معادلات القوة في الساحة الاجتماعية والسياسية، ثم ستصبح بعد ذلك -بعد سقوط الفكر القومي واليساري- الرقم الأصعب.

بيد أنّ الحركات الإسلاميّة سرعان ما دخلت في صراعات مع الأنظمة الحاكمة في العالم العربي استنزفت أغلب طاقاتها، واستحوذت على اهتماماتها، وجرتها إلى معارك سياسية ودموية في كثير من الأحيان، وكان أبناؤها غالبا هم الضحية؛ مما أدى إلى تغوّل الجانب السياسي على الهم النهضوي لدى هذه الحركات، واختفت محاورات النهضة تحت ركام أدبيات الصراع السياسي والأيدلوجي!

وهذه الورقة مقاربة أولية ومحاولة للاقتراب من هذا الموضوع، وإثارة النقاش حوله من خلال الدعوة إلى العودة لأسئلة النهضة وجدالات المعرفة، كأحد التحديات الأساسية التي تواجه الفكر الإسلامي اليوم، وتفرض نفسها على الحركات الإسلامية في هذا المعترك الثقافي والسياسي.

 

جيل الرواد

 

حفل التراث الإسلامي لحظات المواجهة الحضارية الأولى في مرحلة الاستعمار بإرهاصاته وتداعياته بمجهودات متنوعة ومتعددة في محاولات جيل الرواد للتعامل مع المشكلة الحضارية وبناء الرؤى المتباينة في الإجابة عليها، ترى ذلك في كتابَي "عبد الرحمن الكواكبي"، وخاصّة كتابه "أم القرى" الذي قدّم فيه حوارا فكريا جدليا في أسباب التخلف ومساحاته، كما تجد ذلك في "العروة الوثقى" ودعواتها المبكرة للتمييز بين البعد المعرفي والبعد السياسي في الحضارة الغربية، دع عنك تفسير المنار وتلمّس الجوانب السياسية والنفسية والاجتماعية في هداية القرآن، ومعارك الشيخ محمد عبده مع المستشرقين، وصراعاته لإصلاح التعليم الديني والخروج من نفق الجمود والتقليد إلى رحابة الاجتهاد والتجديد في حوار ممتع في عقل هذا العالم والمفكّر بين الإسلام والمدنية، أضف إلى هذا تراث العلاّمة الشيخ محمّد رشيد رضا الذي ما زالت كثير من جوانبه وكنوزه بكرا لم تنَل ما تستحقه من الدراسة والإفادة، وليس هنا معرض الحديث عن تراث الشيخ "ابن باديس"، و"ابن عاشور"، و"علاّل الفاسي"، ثمّ "مالك بن نبي" وغيرهم من جيل النهضة الذي واجه الطوفان الحضاري والثقافي القادم من الغرب بشجاعة واقتدار، ولم يهرب من معركته، كما أنّه ما دفن رأسه بالرمال متجاهلا مسئوليته الشرعية والتاريخية والحضارية!

وسواء اتفقنا مع هذا العالم أو ذاك أم اختلفنا معهم فلا يمكن بحال من الأحوال أن نضعهم جميعا في نفس المرتبة، كما أنّه من الظلم البيّن أن نغتال تراث أيّ منهم متذرعين بفتوى أو فكرة معينة قدّمها هذا المفكر هنا أوهناك في محاولة منه للتعامل مع القضايا التي واجهته، ومن منّا معصوم عن الخطأ والزلل والنسيان؟!

فتراث هذا الجيل متنوع وواسع، فيه من المحاورات والرؤى والاجتهادات ما يستحق ويستأهل التواصل معه والبناء عليه من خلال رؤية نقدية تعمل على غربلته واستثمار المفيد منه في بناء ثقافة المشروع النهضوي الإسلامي.

 

المد الإسلامي والصراع السياسي

 

ثمّ تلا هذه المرحلة الثقافية والفكرية المخاضية مرحلة حركية وسياسية عاصفة شهدت نشاطا من قبل الحركات الإسلامية في الميادين العملية المختلفة، وبدأت فعالية هذه الحركات وتأثيرها الملحوظ في الساحة قبيل النصف الثاني من القرن العشرين، وتمكنت في قترة قصيرة من التأثير على أعداد كبيرة من الجماهير، وانضمّ إليها الناس من مختلف فئات الأمّة، خاصّة الشباب الجامعي المثقّف.

بيد أنّ هذه الحركات سرعان ما دخلت في صراعات سياسية ودموية مع الأنظمة الحاكمة سواء كانت محافِظة أم تقدّمية -وإن كانت المحافظة أقل فتكا من التقدميّة-، ويمكن القول إنّ اغتيال الشهيد "حسن البنا" كان البداية العملية لهذا الصراع، ثمّ تلاه دورات من الصراعات والنزاعات التي كان ضحيّتها غالبا هم أبناء هذه الحركات من الشباب المثقف، والشعوب التي خسرت هذا الشباب.

فمن جمال عبد الناصر ومذابح الإخوان في السجون والمعتقلات، وقتله رموز الحرك

المزيد


شكل الدولة: دينية أم مدنية أم إسلامية

أغسطس 2nd, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

شكل الدولة: دينية أم مدنية أم إسلامية؟

 

د.حيدر إبراهيم علي

 

1.       أي اجتهاد حديث لا بد له من الانطلاق من فرضية أن الدولة الوطنية الحديثة ذات فلسفة ونظم وآليات تختلف نوعياً عن كل الأشكال التي سبقتها، حتى تلك التي وجدت في التاريخ الأوروبي.

2.       لذلك نلاحظ أن كتابات ما بعد الحرب العالمية الأولى حرصت على إبراز التمايز والمعاصرة في الفكر الإسلامي. وأعتقد أن البحث عن مفاهيم خاصة بالمجتمعات الإسلامية كان من المساهمات المتميزة رمزياً. بمعنى تأكيد الخاص الذي يحدد الإسلام والمسلمين في العصر الحاضر، إذ يصعب الحديث عن خلافة أو إمامة أو سلطنة، وفي الوقت نفسه قد لا تتسق الليبرالية والديمقراطية والقومية تماماً مع مثال الدولة الإسلامية الصحيحة أو الأصيلة.

3.       توصل الشيخ حسن البنا إلى مفهوم للدولة الإسلامية المعاصرة يرتكز على فكرة شمولية الإسلام، لذلك استعمل مصطلح "النظام الإسلامي". وتحت هذا العنوان بحث قضايا الحكم والاقتصاد والمجتمع، وركز على هذه القضايا في مجموعة الرسائل ضمن الجزء المعنون "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي". ولم يستعمل كثيراً مفهوم الدولة الإسلامية في كتاباته، بل استعمل كلمة "حكومة" مجردة، ولم ينسبها إلى الإسلام، بل اكتفى بمفهوم النظام الإسلامي.

4.       وبحسب أحد الباحثين، "يرجع أصل مفهوم الدولة لدى البنا إلى الإسلام ذاته، فطبقاً لما سماه الفهم الشامل للإسلام أو ما أطلق عليه إسلام الإخوان المسلمين، يصبح تصور الدولة ركناً من أركان فهم الإسلام.

5.       ويحدد البنا دعائم الحكم الإسلامي في عمومية وغموض يعكسان غياب التنظير السياسي لدى الإسلاميين عموماً: "والحكومة في الإسلام تقوم على قواعد معروفة مقررة، هي الهيكل الأساسي لنظام الحكم الإسلامي … فهي تقوم على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها". ويضيف: "والنظام الإسلامي في هذا لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحاً بدونها، ومتى طبقت تطبيقاً يحفظ التوازن بينها ولا يجعل بعضها يطغى على بعض. ولا يمكن أن يحفظ هذا التوازن بغير الوجدان الحي والشعور الحقيقي بقدسية هذه التعاليم".

يلاحظ عدم الدخول في تحديد ضمانات موضوعية خارجية، فالضمان ذاتي تماماً،

كما عرف الواقع عدم توازن القواعد، فكثيراً ما تتعارض وحدة الأمة مع احترام إرادتها، أو الاثنين معاً مع مسؤولية الحاكم. لذلك وجود إمام فاسق خير من الفتنة، كما أن وحدة الأمة مقدمة على الاختلاف والتعددية التي قد تكون مظهراً للديمقراطية وحرية الرأي. (سوف نبين لاحقاً أن وحدة الأمة الإسلامية أولوية تطغى على الخيارات الأخرى لدى جماعات الإسلام السياسي).

يرى أحد دارسي فكر البنا "أن الدولة الإسلامية ليست واجبة لذاتها، وإنما هي واجبة لغيرها، أي أنها أداة ووسيلة لغاية".

ويجد منطقاً إسلامياً بسيطاً لهذا الفهم للدولة: "أنه إذا كان الله جل شأنه قد خلق الخلق أجمعين لعبادته، والكدح الدائم لملاقاته بعد الانتقال إلى الآخرة، فإن هذه الحياة الدنيا ـ بكل ما فيها ـ إن هي إلا معبرة ـ وسيلة للمرور إلى الآخرة، فهي مؤقتة، ولكن لابد منها، ولا تخرج الدولة كأحد أشكال التنظيم السياسي، عن هذا الحكم.

ويفرق الباحثون بين

الدولة المحايدة            والدولة الغائية،

على رغم أن لأية دولة غاية، ولكن

 الدولة المحايدة غالباً ما تجعل غايتها الصالح العام وقيمة الفرد، بينما في الدولة الغائية قيمة الفرد تقاس بحسب توجيهها نحو تحقيق غاية الدولة أو أهدافها التي قد لا يكون الأفراد مقتنعين بها.

والدولة الغائية هي في كثير من الأحيان دولة إيديولوجيا مطلقة تسعى لتطبيقها مهما كانت التكلفة البشرية.

    ويؤكد الإسلامويون غائية الدولة الإسلامية

(وهو ما لا أقبله أبدا ، لست أقصد الحياد والغائية إنما أقصد أنهم يرون غايتها الدين الذي يستحيل في النهاية لشخص الدولة ثم لشخص ذلك السافل الذي اشتهرت تسميته بالخليفة يعنون خليفة الله ولا يرونه إلا في زي الله، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيراً، إن الدولة الإسلامية غائية لكن غايتها الإنسان كلّ الإنسان خلاصه وتحريره وكرامته).

 بالرجوع إلى النص القرآني، إذ نجد آيات مثل: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، كذلك نقرأ: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر).

ومن هنا: "طوّر دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية نظرية المقاصد والأهداف التي تجسد غاية الدولة بشكل واضح وكبير".

تكاد كتابات الإسلام السياسي تتفق حول غائية الدولة الإسلامية وتحاول تحديد هذه الغايات،

وعلى رأسها إقامة الدين ونشر الدعوة من خلال السلطة والتربية،

 ومن الملاحظ أن أنصار الإسلام السياسي لا يهتمون بالفروق المذهبية، مثل اختلاف السنة والشيعة، ويغلبون اتفاقهم حول ضرورة عودة الإسلام قوياً في مواجهة قوى الاستكبار، وهذا غير ممكن من دون دولة إسلامية حقيقية، فوظيفة الدولة عند المفكرين الإسلاميين عموماً وبمختلف مذاهبهم، هي في الأساس، حفظ بيضة الإسلام.

وفي الواقع المعاصر صارت الدولة الإسلامية ضرورية للدفاع وحفظ الدين. يقول السيد محمد حسين فضل الله: "إن التحديات الخطيرة، التي تواجه العالم الإسلامي، في عقيدته، وشريعته، وثورته وسياسته، واقتصاده وثقافته، وأمنه، تفرض على المسلمين، التطلع إلى إقامة دولة، أي دولة، تلتزم مواجهة هذه التحديات، من موقع الفكر الإسلامي قاعدة وشريعة وحركة، بحيث يكون النهج الإسلامي في استنتاج الفكر، هو المتبع الاجتهاد الفكري، بشرط أن تنطلق في حركتها السياسية من هذا الواقع [......]. ومن هنا فإن المفروض أن يفكر الإسلاميون على مستوى مراجع التقليد أو على مستوى الحركات الإسلامية، بإن الوقوف مع هذه الدولة الإسلامية، يمثل الوقوف مع حركة الدعوة الإسلامية وموقع متقدم، لأن الدولة تعطي الدعوة للإسلام، حركة عالمية من قاعدة القوة الكبيرة [...] كما تمثل الفرصة الكبيرة، لتطبيق الأحكام الشرعية المنطلقة من اجتهاد إسلامي، قد يختلفون معه في بعض نتائجه، أو في بعض تطبيقاته، ولكنهم لن يختلفوا في الإقرار بأنه ينطلق من القواعد الإسلامية المقررة".

أسهبت في الاستشهاد السابق، لأنه من أكثر النصوص تمثيلاً لفكرة الدولة الإسلامية الغائية.

 فهي دولة عالمية مسرحها العالم وليست دولة ـ وطنية قطرية لأنها تتبنى وتساند الدعوة غير المحددة بمكان معين.

والهدف الثاني هو تطبيق الشريعة وأحكامها التي لا يصح الاختلاف حولها مبدئياً حتى لو شابها بعض جوانب القصور في التطبيق أو تسببت في بعض المشكلات المباشرة أو الجانبية بسبب هذه الأحكام.

وهنا يبرز سؤال الأولوية: هل تظهر الديمقراطية كأولوية في هذه الأهداف والغاية؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإنني أعتقد عدم وجود نقص في الرؤية، على أساس أن كل إيديولوجيا تتميز بخصائص معينة ليست بالضرورة متشابهة أو متطابقة مع الإيديولوجيات الأخرى. فقد ترفع إيديولوجيات من قيمة الحرية الشخصية والفردية، وقد ترفع أخرى من قيمة وحدة الأمة. وهنا قد تتداخل الأمور، فقد يرى بعضهم أن تحقيق غاية معينة قد يقود إلى تحقيق غايات أخرى. فقد يرى مفكر مسلم أن وحدة الأمة الإسلامية هي الطريق إلى تحقيق الحرية الفردية مثلاً. وكثيراً ما تفسر الآية: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة).

ويحاول بعض الباحثين إيجاد توفيق وتلاؤم بين غائية الدولة وما يعنيه ذلك من تضحية بالفرد من أجل المثل العليا، وبين القيمة الإنسانية للفرد.

فالدولة الغائية يصعب عليها إلا تكون استبدادية، إذ تفرض عليها بعض الظروف أحياناً أن تنزع أو تصادر أو تقيد الحريات. وهنا يقدم المسلمون معادلة دقيقة للدولة الإسلامية الغائية:

"تختلف الدولة الإسلامية عن الدولة الاستبدادية في كونها تحافظ على حق الإنسان في تقرير مصيره، باعتبار كائناً حراً ومسؤولاً. كما تختلف عن الدول الديمقراطية الليبرالية في كونها ذات غايات، وليست محايدة، إزاء القيم الأخلاقية والإنسانية".

هذا على مستوى التنظير، ولكن هل من الممكن تطبيق هذه المعادلة على أرض الواقع؟ أي الحفاظ على الحريات وتحقيق غايات الدولة؟

يبرز السؤال الذي يدور حوله جدل طويل لم ينته بعد: هل يعني أن الدولة التي تسعى لتحقيق غاية نشر الدعوة وتطبيق أحكام الشريعة هي دولة دينية؟ أو ما هي أوجه الاختلاف بين الدولة الدينية والدولة المدنية في الفكر الإسلامي؟ أو هل يمكن لدولة أن تجمع بين الفلسفتين: الدينية والمدنية من دون تناقض أو تعارض؟ وأي نقاش حول دينية السلطة يصبح مجدياً فقط حين نجيب عن الأسئلة الخاصة بمصدر السلطة في الدولة: من أين تستمد هذه الدولة سلطتها أو شرعيتها؟ والسؤال الثاني هو: ما هي وظيفة هذه الدولة؟ أي أن ينطلق من مصدر السلطة ووظيفة السلطة أو غايتها لتحديد دينية، أو مدنية، أو خصوصية هذه الدولة في الإسلام. هناك اتجاه عريض ضمن الإسلام السياسي يرفض هذا التساؤل من البداية،

 فنجد فهمي هويدي يسميه "السؤال الغلط"، حيث يقول: "إذا أردنا أن نحسن الظن بالذين وصفوا الدولة الإسلامية بأنها دولة دينية، ثم اعتبروها نقيضاً للدولة المدنية، فلن يكون أمامنا سوى مخرج واحد هو: إعذارهم باعتبارهم لا يعرفون دلالة تلك المصطلحات، الأمر الذي أوقعهم في الغلط، وأوردهم موارد الضلال من حيث لم يحتسبوا". ويتناول الجابري السؤال من زاوية مختلفة، فضمنياً يعني السؤال وجود فصل للدين عن الدولة أو للدولة عن الدين، وبالتالي ستعني عبارة فصل الدين عن الدولة أو العكس، وبالذات داخل المرجعية التراثية: "إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلامية، وإما حرمان الإسلام من السلطة التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام" أو الاثنين معاً. ويمكن إقناع شخص يفكر من داخل المرجعية التراثية بأن المقصود ليس إنشاء دولة ملحدة ولا نزع الصبغة الإسلامية عن المجتمع. ولكن من الصعب إقناعه بأن فصل الدين عن الدولة ليس معناه حرمان الإسلام من السلطة التي يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام، "وإذن يجب البدء بالتمييز بين السلطة المنفذة للأحكام الشرعية وبين الهيئة الاجتماعية المسماة: الدولة. لماذا؟ لأن الدين في نظرة يشتمل على أحكام يجب أن تنفذ، وأن الدولة هي "السلطة" التي يجب أن تتولى التنفيذ". لذلك يطالب بإعادة صياغة ووضع السؤال القائل: هل الإسلام دين ودولة؟ لأنه "لا يجد معناه الإسلامي، أي القابل لأن يجاب عنه من داخل التجربة الحضارية الإسلامية إلا إذا أعدنا صياغته بأن وضعنا فيه كلمة "أحكام" مكان كلمة "دين" وكلمة "سلطة" مكان كلمة "دولة". ويكون السؤال: "هل الإسلام أحكام (شرعية) وسلطة؟"،

لأن الشكل الثابت الوحيد في التراث الإسلامي الذي يمكن أن يجيب عن السؤال، "هو أن هناك أحكاماً ينص عليها القرآن وتحتاج إلى "ولي الأمر" ليتولى تنفيذها نيابة عن الجماعة الإسلامية. ومفهوم "ولي الأمر" مفهوم متسع، إذ يصدق على رئيس العائلة وعلى رئيس القبيلة، كما يصدق على العلماء والفقهاء وعلى الحاكم المسلم في دار الإسلام، سواء كان والياً أو أميراً أو خليفة.

 وقد أطلق شعار البنا "الإسلام دين ودولة"، الأسئلة والنقاشات من صندوق "باندورا" الفكري، ولكنها ليست كلها شريرة، وإن بقيت مفت

المزيد


تعريفات سياسية هامة ومفيدة

أغسطس 1st, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

تعريفات سياسية


الأيديولوجيات:

 
 Idiologies
كلمة إنجليزية معناها الحرفي "عقائد"، وتعريفها بالإنجليزية: منظومة التصورات والاعتقادات والنظريات التي تبنى عليها حياة الأفراد والمجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

الكهنوت :


مجموعة رجال الدين في الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية يقومون بالمراسم الدينية, وتقديم ذبيحة القداس ومنح الأسرار ومجموع رجال الدين يدعى الإكليروس ecclesia ..  

 

العلمــــانيـــــة :


فكرة وحراك سياسي غربي متميز، دعا إلى إقامة الحياة الغربية على أسس العلم الوضعي والعقل بعيدا عن الكنيسة الغربية ومشاركاتها السياسية المستبدة وغير النزيهة، والبعيدة عن كلّ قواعد الدين وأعراف الأخلاق. وهي حركة سياسية مستنيرة تتفق والفكر الإسلامي الذي ينسجم مع إقامة الحياة على أسس علميّة، ويمنع فكرة الكهنوت، ويسم المختصين بالعلوم الدينية عنده بالسمة المدنية، فهم إمّا رجال قانون (فقهاء- قضاة) أو هم رجال فكر (فلاسفة) أو علماء لغة وآداب، وكلّهم له صفته المدنيّة المعروفة، ويعتبر الإسلام دور العبادة الجامعة فيه دور اجتماع مدني، لا وجود للكهنة (الذين يصلون العباد بربهم) فيها. مع ذلك فلا يصح وسم التنوير الإسلامي بالعلمانية لأنّ العلمانية مشروع غربي خالص للغربيين ومراع لظروفهم، أمّا التنوير عندنا فله اسمه الخاص، وهو النهضة العربية الإسلامية، وقد أسسها آباء النهضة من الجبرتي وحسن العطار والطهطاوي، إلى الأفغاني ومحمد عبده، وقد وقع التنوير الإسلامي في براثن الكيد الاستعماري الغربي عبر بث فكرة التوقف والانغلاق بيد دعاة من منطقة عربية منغلقة ولا يتوفر لها ما توفر لدولة التنوير (مصر) من معطيات ساعدت على انطلاق التنوير العربي الإسلامي منها، وقد وقعت كثير من التيارات الإسلامية المصريّة في هذا الفخ وضاع ما يقارب المائة عام في دجل فارغ خارج نطاق التنوير العقلاني العربي، وها نحن نستعد الآن للعودة الحميدة لسلوك سبيل آباء النهضة بإذن الله. 

 

الاشتراكية :

 

 الاشتراكية لا تعنى بالضروره الملكيه الكامله للدوله لوسائل الانتاج .. وانما اشتراك الشعب فى ملكية الوسائل الأساسيه .. واشتراكه فى الاستفاده بعدالة توزيع عوائد الانتاج .. وهناك أشكال كثيره للاشتراكيه طبقا لظروف كل بلد .. ومنها الاشتراكيه الاصلاحيه - البلشفيه - وهى أساس فكر حزب العمال فى انجلترا

 

الشيوعية


    أقسى صور الاشتراكية، وهي لا تلتقي مع المنهج الإسلامي الوسطي ذي الطابع الاشتراكي المعتدل، ويهمنا هنا التنبيه إلى أنّ الإسلام لا يوجد له مذهب اقتصادي، وإنّما له نزعة اشتراكية وسطيّة، تهدف للحفاظ الدائم على العدالة الاجتماعية، وعلى تضافر وتعاضد قوى الشعب مع بعضها، وعلى كيان الأسرة كقالب أساسي تنبني عليه قوة المجتمع.

   والشيوعية: مذهب اقتصادي اجتماعي يقوم في أساسه على القضاء على الملكية الفردية, وتدخل الدولة الفعال في حياة الأفراد وإخضاعهم لإشرافها وتوجيههم مادياً وفكرياً

والمبدأ الأساسي لهذا المذهب يتخلص في قولهم: ((كل بقدر قوته , ولكل بقدر حاجته)) وهي فلسفة وضعها فردريك أنجلز وكارل ماركس يطول شرحها، أبرز معالمها في مجال السياسة أنها تعتمد على إقامة نظام ديكتاتوري يمتلك كافة وسائل الإنتاج في البلاد ويقوم بتقسيم وتوزيع المهام والأجور على العمال فيما يعرف بدولة "البروليتاريا"

 

البروليتاريا:


تعريف البروليتاريا تقريبا هم الطبقة الكادحة عموما أو العمال والفلاحين، ومعناه انه الدولة كلها تحكم بسياسة حكم مصنع كبير.

 

 

الفاشية:


مصطلح سياسي يشير إلى حكومة مستبدة يرأسها نظام ديكتاتوري. وهي تمثل الوجه الرسمي للاعتزاز القومي والتطرف الوطني واستصغار الشعوب والثقافات الأخرى .. والحكومات الفاشية لا تميل فقط  للتوسع العسكري بل وتمزج بين الدبلوماسية والتهديد بالقوة في تعاملها مع الدول الأخرى. وتتمثّل الدعوة الفاشية أسمى تمثيل في كلّ الدعوات المدعية للدينية سواء كانت إسلامية، أو مسيحية (الجمهوريون الجدد) أو اليهودية (الصهاينة) كما تتمثّل في الدعوات القومية المتطرفة (الفاشية الإيطالية على عهد موسوليني، أو الألمانية على عهد هتلر)

 

 النازية:


مذهب سياسي يشير مباشرة إلى نظام هتلر الذي حكم ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي وسبّب اشتعال الحرب العالمية الثانية.. والنازية تعريف مختصر لـ «الوطنية الاشتراكية» التي تمزج بين الاعتزاز الوطني المتطرف، والنهج الاشتراكي المرن (الذي يسمح بتواجد الرأسمالية والثروات الفردية).

 

الديمقراطية:


هي حكم الشعب للشعب .. والاستخدام العملي لها: إتاحة فرصة اختيار الحاكم والوزراء على أساس ما يتقدم به كل منهم من رؤى، وعرض كافة القرارات المصيرية على نواب الشعب للتصويت..(وغالبا ما يطلق على الحرية ويطلق على المشورة ديمقراطية في بعض الأحيان).


الديكتاتورية :


هي فرض نظام واحد شمولي دون خيارات مغايرة ( وغالبا ما يطلق على الشخص المتسلط الظالم أو الذي يفرض آرائه(


البلشفية (bolshevism):


مذهب شيوعي وضعه لينين. وهذا الاصطلاح مشتق من الكلمة الروسية bolche   ومعناها الأغلبية المتطرفة, وذلك راجع لانشقاق أقلية من أنصار لينين عليه أثناء الحرب العظمى وبقاء الأكثرية المتطرفة في جانبه.

ويرى لينين أن من المستحيل على الهيئة الاجتماعية أن تنتقل طفرة من النظام الرأسمالي إلى النظام الشيوعي, وأنه لا بد من دور انتقالي يطبق فيه مذهب الجماعية إلى أن تتغير عقلية الناس .


ويقوم النظام الشيوعي في روسيا على فكرة وحدة الدولة ووحدة السلطة و إلغاء كل مظاهر الاستغلال وكل تقسيم للمجتمع إلى طوائف. ويعمل على إنشاء نظام اشتراكي للمجتمع .

وهذه المبادئ الأساسية للمجتمع الشيوعي قد طبقها البلاشفة بالفعل منذ غداة ظفرهم بالحكم وأصدروا لتنفيذها طائفة من القوانين الاستثنائية كإلغاء الملكية الخاصة, ونقل ملكية الأراضي و المنشآت الخاصة إلى جانب الدولة, تشرف على استثمارها. وضم المصانع إلى الدولة أيضاً ووضعها تحت إدارة مجلس اقتصادي أعلى وفصل الكنيسة عن الدولة ورعاية العمال وتعميم التعليم المجاني

وكانت هذه التجربة خطيرة غير أن ظروف المجتمع الروسي الذي يتألف سواده من العمال و الفلاحين الذين سحقتهم طغيان القيصرية والأرستقراطية كانت كفيلة بتوطيدها .

 

الليبرالية :


مشتقة من كلمة الحرية الإنجليزية "liberty" وهي مذهب يرى حرية الأفراد والجماعات في اعتناق ما يشاءون من أفكار والتعبير عنها بشكل مطلق..

البيروقراطية :


يأتي أصل كلمه بيروقراطية من الفرنسية من كلمه بيرو (Bureau ) أي مكتب ، وترمز للمكاتب الحكومية التي كانت في القرن الثامن عشر ، والتي كانت تغطى بقطعه من القماش المخملي الداكن اللون ، ومن اليونانية من كلمه (Kratos ) ، أي القوه ، (السلطة ، والسيادة) ، وقد استخدمت كلمه البيروقراطية للدلالة على الرجال الذين يجلسون خلف المكاتب الحكومية ويمسكون بأيديهم بالسلطة ، ولكن توسع هذا المفهوم ليشمل المؤسسات غير الحكومية ، كالمدارس والمستشفيات والمصانع والشركات وغيرها وهو تنظيم نموذجي من المفروض أن يؤدي إلى إتمام العمل على أفضل وجه (وغالبا ما تطلق البيروقراطية على الانضباط وتطلق بعض الأحيان على أنها تعبير عن المجتمع الحديث


التكنوقراطيَّة (technocracy) :


حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة, وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين و المعماريين و الاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذه الظواهر وإلى أن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة ويجب أن تخضع إدارة الشئون الاقتصادية للعلماء و المهندسين, وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجيا .


البعثية :

 

دعوة علمانية قومية أسسها ميشيل عفلق في نهاية أربعينات القرن المنصرم، وقد روي أنّه فى أوائل السبعينات اعتنق ميشيل عفلق الإسلام … وصرح بأنه لو عاد به الزمن إلى أوائل تنظيراته للقومية العربية وتأسيسه لحزب البعث فسوف يبنى القومية العربية على المرجعية الإسلامية فلا عروبة بلا إسلام  .. ولا مكان ولا مستقبل للعلمانية فى منطقتنا؟

 

العولمة

المزيد


أزمة الدولة القومية أم أزمة الفكر الإسلامي؟

أغسطس 1st, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

أزمة الدولة القومية أم أزمة الفكر الإسلامي؟

قراءة في كتاب الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر للمفكر عبد الإله بلقزيز

بقلم: أمجد أحمد جبريل**

 

اسم الكتاب:  الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر

المؤلف:  عبد الإله بلقزيز

عدد الصفحات:  307

الناشر:  بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ديسمبر/ كانون الأول 2002

 

ما هي العلاقة بين الديني والسياسي في وعي النخب الفكرية الإسلامية المعاصرة؟ وكيف عبرت هذه النخب عنها خلال قرن ونصف القرن؟ وما موقع فكرة أو إشكالية الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر؟.

هذه أسئلة يحاول د. عبد الإله بلقزيز أن يبحث عن إجابات لها من خلال تحليل الكتابات الفكرية الإسلامية، بداية من كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي إلى كتاب "السياسة الشرعية" ليوسف القرضاوي عام 1998.

ثمة فكرة رئيسية يستند إليها المعمار النظري لهذا الكتاب برمته، مفادها أن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر يمر بأزمة حادة تجعله يسير في اتجاه انحداري أو نكوصي؛ فبينما استطاع رواد المدرسة الإصلاحية -بجيليها- أن يقدموا مساهمة نظرية متماسكة حول موضوع الدولة من خلال التأصيل لفكرة الدولة الوطنية أو الحديثة –كما تعرفوا عليها في أوربا- فإن رواد المدرسة الإحيائية الصحوية اتجهوا في كتاباتهم منذ ثلاثينيات القرن العشرين إلى إنشاء خطاب حول الأمة والجماعة يركز على بناء أو طرح عقيدي وثقافي للدولة والسياسة والسلطة؛ ما أدى إلى تجديد المطالبة بالخلافة كما فعل رشيد رضا، أو الدعوة إلى دولة إسلامية مثلما فعل حسن البنا، أو اختصار المسألة إلى دولة ثيوقراطية تقوم على (مفهوم الحاكمية عند الصحويين من السُّنة) وعلى مفهوم (ولاية الفقيه عند الشيعة).

لقد حاولت الإصلاحية توظيف الإسلام للتقدم والمشاركة في العصر (من خلال ضخ الحياة في العقل والاجتهاد والشورى والانفتاح على ثمرات الفكر الإنساني). أما الصحوية، فحاولت الانسحاب من التاريخ والعودة بالإسلام إلى مواقع دفاعية غير حصينة متى أُخِذ توازن القوى الحضاري في الاعتبار. والنتيجة أن الإصلاحية رسمت دورًا إيجابيًا للإسلام -كعقيدة وثقافة- في التاريخ الكوني الحديث، فيما حوَّلته الصحوية -في أفضل الحالات- إلى أيديولوجيا سياسية لا ممانعة ضد العصر والتاريخ" ص282. ويبدو أنه "كلما اشتدت وطأة الهجوم على الإسلام بالحداثة السياسية والاجتماعية والفكرية، زادت معدلات التراجع والنكوص في الفكر الإسلامي" ص 283.

1- أطروحة الدولة الوطنية

لقد جاء ميلاد فكرة الدولة الوطنية في الوعي الإصلاحي الإسلامي بعد احتكاك المسلمين بالنموذج الأوربي للدولة الذي حدث بعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798. ومنذ ذلك الحين طغت المسألة السياسية على تفكير النخب الإسلامية بحيث ساد الاعتقاد بأن الخلل الذي أصاب المجتمعات الإسلامية ومدنيتها إنما يرجع إلى تخلف نظمها السياسية التقليدية، في حين تقدمت أوربا وتفوقت بسبب قوة نظمها السياسية (بما تشمله من جيوش ومؤسسات قوية وإدارة فعالة وتنظيم مالي متقدم… إلخ).

بالنسبة للجيل الإصلاحي الأول -الذي يشمل رفاعة الطهطاوي وابن أبي الضياف وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده- فقد انصبت مساهمته على أمرين:

الأول طرح مسألة الدولة الوطنية والتعريف بنموذجها -في أوربا- القائم على مقتضى العدل والقانون. وهي مهمة اضطلع بها الطهطاوي والتونسي؛ حيث تحمس الأول للدفاع عن تجربة محمد علي باشا، في حين دافع الثاني عن تجربة التنظيمات التي أقدمت عليها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر. 

أما الأمر الثاني فهو نقد الاستبداد والمطالبة بالإصلاح والدستور. وفي هذا السياق برزت أولاً أفكار جمال الدين الأفغاني الذي كان حريصًا على وحدة المسلمين لمواجهة ما يتهددهم من مطامع استعمارية. وعلى قدر نقمته على أوضاع الدولة العثمانية، لم يتوانَ الأفغاني عن المطالبة بالإصلاح والدستور والشورى مدركًا أن كسب المعركة مع العدو الخارجي رهنٌ بإنجاز إصلاحات جذرية في الدولة العثمانية.

ثم جاءت ثانيًا مساهمة محمد عبده الذي اجتهد في التأكيد على فكرة مدنية السلطة في الإسلام لتجريد الحكم الاستبدادي من أي شرعية دينية، كما دافع عن حق الأمة في الولاية على نفسها من خلال نظام التمثيل النيابي بحيث لا يتصرف في شؤونها العامة إلا من تثق بهم من أهل الحل والعقد.

أما بالنسبة للجيل الإصلاحي المتأخر فقد برزت أفكار عبد الرحمن الكواكبي التي ضمنها في كتابه الشهير طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، الذي أشار فيه إلى أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي ودواءه الشورى الدستورية. كما اعتبر أن الاستبداد ليس نظامًا فحسب، بل ثقافة سياسية واجتماعية تنتجها السلطة وتوزعها على المجموع الاجتماعي. ولذا فإن اجتثاث الاستبداد من السياسة والحكم، يتوقف على ترقي الأمة في الإدراك والإحساس، واجتثاث الاستبداد من الأفكار والنفوس.

وقد تصدى للاستبداد السياسي في تلك المرحلة أيضًا الإصلاحي الشيعي محمد حسين النائيني صاحب رسالة "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" التي كتبها عام 1909. وركز فيها على التنظير للحركة الدستورية في إيران، والتأصيل لحق نواب الأمة -من خلال مجلس الشورى- في القيام بالوظائف الحسبية للإمام. وقد أسهم بذلك في إخراج الوعي الشيعي من عقدة انتظار الإمام الغائب، ودفعَه في اتجاه تبني مفاهيم الدستور والنيابة والشورى والمواطنة.

2- العودة إلى إشكالية دولة الخلافة

لقد أدى تحويل منصب الخلافة في الدولة العثمانية إلى منصب صوري رمزي اعتبارًا من عام 1922، ثم قيام أتاتورك بتدشين نظام جمهوري علماني في تركيا إلى تجدد الاهتمام بفكرة الخلافة وتجديد فقه السياسة الشرعية. وفي هذا السياق دافع محمد رشيد رضا في كتابه "الخلافة أو الإمامة العظمى" عن فكرة الخلافة وطريقة انعقادها مسترجعًا أو مستلهمًا كتابات الماوردي وابن تيمية وابن القيم. واهتم بالتأصيل لمفهوم "خلافة الضرورة أو الاضطرار" التي تنعقد حتى لو لم يستوفِ الخليفة شرطي العلم والعدالة. كما حظي مفهوم أهل الحل والعقد أيضًا بعناية رشيد رضا، واعتبر أن صلاح الأمة وصلاح حكامها من صلاح فئة أهل الحل والعقد، واتهمهم بالتقصير في النهوض بدورهم التوجهي.

وردًا على رشيد رضا، صاغ علي عبد الرازق خطابًا نقديًا لنظام الخلافة ضمّنه في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الصادر عام 1925. وأشار فيه إلى أربعة انتقادات رئيسية لنظام الخلافة وهي: طبيعة السلطة المطلقة التي يقوم عليها نظام الخلافة، وعدم شرعية هذا النظام من وجهة نظر الإسلام، وا

المزيد


دولة إسلامية أم دولة المسلمين؟

يوليو 31st, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

دولة إسلامية أم دولة المسلمين؟


بقلم: إبراهيم غرايبة- عن الحياة

"بدأت جماعة الإخوان المسلمون إصلاحية تتجه نحو الأمة، وكان مفهوم الدولة الإسلامية متأخراً جداً في مراحلها، بل كان انحرافاً عن فكرتها الأساسية"

 

تتخذ حركات إسلامية شعار إقامة الدولة الإسلامية هدفاً أساسياً لعملها ونضالها، ويبدو أن الخطاب الإسلامي والسياسي شغل كثيراً بجدوى هذا الشعار وأهميته وتقويم محاولات تطبيقه، من دون أن يشغل نفسه بما هو أكثر بداهة وأساسية في التفكير والسؤال، مثل ما هي الدولة الإسلامية؟ هل هي قائمة بالفعل في العالم الإسلامي أم ليست موجودة؟ أم أنها قائمة على نحو متفاوت ومختلف بين دولة وأخرى وباختلاف في مستويات تطبيقها ومفاهيمها ونسبيتها؟
ماذا نعني بالدولة الإسلامية؟ فمنظمة المؤتمر الإسلامي تضم في عضويتها ستاً وخمسين دولة "إسلامية" وهي دول قائمة بالفعل وتعتبر نفسها إسلامية، وتنص دساتيرها في الغالب على أن دين الدولة هو الإسلام، وأنه مصدر رئيس للتشريع.

إن صفة الإسلام (أو عدمه) لا تطلق على هيئات أو مؤسسات أو دول أو حكومات أو جمعيات، فالإسلام أو الكفر يتعلقان بالأفراد فقط، ومن ثم فإن تسمية "الإسلامية" التي نشأت في العقود الأخيرة وصارت تطلق على الدول والجماعات… وحتى المستشفيات!! والشركات التجارية والاستثمارية لا تعني أبداً نقيض الكفر أو أن ما سواها ليس مسلماً أو كافراً.

ومصادر الفقه في التراث الإسلامي تصف الدول بدار الإسلام أو دار الكفر أو دار الحرب أو دار الذمة، أي دولة المسلمين أو دولة غير المسلمين، والفرق واضح وكبير بين المصطلحين. بل إن بعض المفكرين يدعو الى استخدام مصطلح الفكر السياسي لدى المسلمين وليس الفكر السياسي الإسلامي باعتبار أن المسلمين يجتهدون في اختيار وسائل الحكم والإدارة، ويقتربون بذلك من الإسلام أو يبتعدون ولكن ذلك لا يعني أن ممارساتهم هي الإسلام كما لا يعني مجانبتهم الصواب أنهم ليسوا مسلمين.

فالدول الإسلامية بالمفهوم الاصطلاحي قائمة بالفعل، والحديث عن العمل على إقامتها هو سعي الى تحقيق ما هو محقق.

ولكن هذا لا يعني أبداً الحكم على جهود الحركات والدول والمجتمعات الإسلامية نحو إقامة الدولة الإسلامية بأنه تكرار أو وهم وعبث… ولكنه في معظمه محاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية وزيادة الاقتراب من الإسلام، فالحديث إذاً هو عن تطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة والحكم.

والدول الإسلامية القائمة اليوم تطبق الشريعة الإسلامية، بمعنى اعتبارها مصدراً للتشريع وانسجام الأحكام معها، إلا في حالات تقل أو تزيد من بلد إلى آخر، ولا ينفي عن دولة أو حكومة صفة الإسلام إن لم يطبق القائمون عليها أو حكامها بعض أحكام الشريعة الإسلامية إلا إذا كان الامتناع عن تطبيقها نتيجة اعتقاد أو فعل ليس له تفسير إلا الكفر. ولم يحدث بالفعل (ولن يحدث) أن طبقت الشريعة الإسلامية على نحو تام وكامل في التاريخ والجغرافيا منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ذلك أن فهم أحكام الشريعة وتطبيقها يتضمنان قدراً كبيراً من الاجتهاد والتقدير لا بد من أن يحتملا الخطأ والتقصير يدل عليه الاختلاف بين الفقهاء والحكام والمذاهب الفقهية والفكرية..

وهكذا، فإننا نجد في التاريخ والجغرافيا نماذج متعددة ومختلفة للدولة الإسلامية، ففي المشهد المعاصر نرى السعودية وإيران والسودان وتركيا (تجربة حزب الرفاه وحزب العدالة والتنمية) إضافة إلى النموذج التقليدي السائد للدولة الإسلامية المختلف عن النماذج السابقة، مثل الأردن والكويت وباكستان وأندونيسيا وسائر الدول الإسلامية.

وقد اشتط البعض في تفسير الآيات والأحاديث وتوصل إلى أحكام عن الدول والحكومات تخال

المزيد


الحضارة … المدنية

يوليو 26th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

الحضارة … المدنية

اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات

بقلم: د. نصر محمد عارف
أستاذ مشارك - جامعة جورج تاون



    تكتسب "الحضارة" قيمتها باعتبارها الهدف الأسمى في تطور المجتمعات الإنسانية، والمثير أن المفهوم ذاته ما زال مبهمًا، فما المقصود بالحضارة ؟ وما مقوماتها وعناصرها؟ وما علاقة الحضارة بالمدنية؟ وهل المصطلحان مترادفان أم أن هناك فارقًا بينهما؟..

 

حضارة "المدينة" الغربية

يعد لفظ "الحضارة" هو الترجمة الشائعة للفظة الإنجليزية "Civilization"، والتي يعود أصلها إلى عدة جذور في اللغة اللاتينية؛ "Civilties" بمعنى مدنية، و"Civis" أي ساكن المدينة، و"Cities" وهو ما يُعرف به المواطن الروماني المتعالي على البربري. ولم يُتداول الاشتقاق "Civilization" حتى القرن الثامن عشر، حين عرفه دي ميرابو في كتابه "مقال في الحضارة" باعتباره رقة طباع شعب ما وعمرانه ومعارفه المنتشرة بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة.


ويبدو أن ما عناه غالبية من استخدموا الكلمة لأول مرة هو مزيج من الصفات الروحية والخلقية التي تحققت على الأقل بصورة جزئية في حياة البشر في المجتمع الأوربي.


وفي الواقع فإن اشتقاق لفظ "
Civilization" من مفهوم "Cities" بمعنى مدينة قد طرح ظلاله على دلالات اللفظ الأول؛ فاستنادًا إلى تقسيم لامبادر مرت المدينة بثلاث مراحل في أوروبا:

1.  مرحلة المدينة ما قبل الصناعية: ظهرت المدينة في أوروبا منذ عهد الإغريق، وكانت عبارة عن وحدة سياسية متكاملة لها حكومة مستقلة ونظام سياسي خاص، ومع دخول المسيحية في أوروبا تمركزت المدينة الأوروبية حول الكاتدرائية، خصوصًا في ظل تدهور وظيفة المدينة في الإدارة المدنية، ومع بداية الحروب الإسلامية المسيحية اتخذت المدن الأوروبية الطابع العسكري التجاري بجانب الطابع الديني، ولاحقًا تراجع دور المدينة وتدنى مستوى المعيشة بها لتدخل العصور المظلمة.

2.  مرحلة المدينة الصناعية: كنتاج لظهور الثورة الصناعية اتسعت المدن الأوروبية، وتمركز حولها عدد كبير من العمال والمنظمين بعد انتقالهم من الريف، وتحولت المدينة إلى موطن لاقتصاد السوق والسلطة السياسية متجهة نحو بلورة تاريخ العالم في تاريخ المدينة.

  1. مرحلة المتروبوليتان: هي مرحلة التطور للمدينة بعد التوسع الرأسمالي والتطور التكنولوجي وظهور شركات عابرة القارات والمنظمات الدولية، حيث ظهرت مراكز عالمية تمثل بؤرًا تتشابك حولها مدن مختلفة ومتباعدة المكان، غير أنها ترتبط "بالمدينة - الأم" برباط وثيق.

وقياسًا على ذلك تجيء التعريفات لمفهوم "Civilization"، فمثلا يعرفه وول ديورانت بأنه "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون". ولم يمنع ذلك حدوث تداخل كبير في تناول الفكر الأوروبي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم الثقافة، وهناك من جعله قاصرًا على نواحي التقدم المادي مثل أصحاب الفكر الألماني، وهناك من جعله شاملاً لكل أبعاد التقدم مثل المفكرين الفرنسيين.


والملاحظ أن جوهر المفهوم اتجه نحو تلخيص تطور نمط الحياة الأوروبي بكل أبعاده باعتباره المجتمع الأكثر رقيًا أو هو قمة التطور البشري، وقد انعكس ذلك على التقسيمات المقترحة لمراحل التطور البشري التي غالبًا ما تسير في حركة أحادية للتاريخ متجهة نحو النموذج الأوروبي في التطور الصناعي.


الحضارة في القراءة العربية:


وفي بدايات القرن العشرين، ومع دخول الاستعمار الأوروبي إلى الدول العربية، انتقل لفظ "
Civilization" إلى القاموس العربي، وقد حدث اضطراب واضح في المفاهيم لعدم وضوح تعريفات ألفاظ: "ثقافة" و"حضارة" و"مدنية" خاصة مع وجود المفاهيم الثلاثة في اللغة العربية على حين لا يوجد سوى مفهومين في اللغة الإنجليزية، مما أدى إلى انقسام اتجاهات ترجمة المصطلح إلى اتجاهين:

 

1

-

اتجاه ترجمة مفهوم "Civilization" إلى اللفظ "مدنية":

 

على الرغم من عدم شيوع هذه الترجمة لمفهوم "Civilization" إلا أنها أكثر دقة في اختيار اللفظ العربي، وقد بدأ هذا الاتجاه منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث تُرجم في عهد محمد علي باشا كتاب "إتحاف الملوك الألباب بسلوك التمدن في أوروبا"، كما استخدم رفاعة الطهطاوي في كتابه "مناهج الألباب المصرية" مفهوم التمدن في التعبير عن مضمون المفهوم الأوروبي ومشيرًا لوجود بُعد التمدن في الدين والشريعة.


وظل هذا الاستخدام لمفهوم المدنية سائدًا حتى وقت قريب وبالدلالات والمعاني نفسها التي تمثل بها مفهوم "
Civilization"، فقد استخدم المفهوم عام 1936م على أنه "حالة من الثقافة الاجتماعية تمتاز بارتقاء نسبي في الفنون والعلوم وتدبير الملك"، وكذلك أطلق عام 1957م على الظواهر المادية في حياة المجتمع مقابل إطلاق لفظ الحضارة على "Culture"، قاصدًا الظواهر الثقافية والمعنوية في هذه الحياة، حيث المدنية تنقل وتورث، بينما الحضارة "Culture" إنتاج مستقل يصعب اقتباسها ونشرها.


ويختلف الباحثون حول تحديد الجذر اللغوي لكلمة
"المدنية" فيرجعها البعض إلى "مدن" بمعنى أقام في المكان، ويرجعها آخرون إلى "دان" وهي جذر مفهوم الدين وتعني خضع وأطاع، و أيًّا كان مصدرها فقد اقترن اللفظ بتأسيس الدولة الإسلامية، وارتبط بمفهوم الدين بما يعنيه من دلالات الطاعة والخضوع والسياسة، ولقد ارتبطت المدينة في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنظام مجتمعي حياتي وتنظيمي جديد في الجزيرة العربية ارتكز على القيم الإسلامية والمبادئ التنظيمية المنبثقة عنها.
وعلى خلاف التجربة الغربية، فالمدينة في الخبرة الإسلامية هي نتيجة لوجود قيم التهذيب والعلاقات الاجتماعية والسياسية في الدين الإسلامي، وليست سببًا فيها. ومن ناحية ثانية، فقد بدأت المدينة في الخبرة الإسلامية مما انتهت عليه المدينة في التجربة الأوروبية
"مرحلة المتروبوليتان"، أي المدينة التي تتبعها مدن أخرى وترتبط بها) فقد كانت المدن الإسلامية جميعها حواضر راقية تتبعها مئات المدن الأخرى المنتشرة في الإمبراطورية الإسلامية، على سبيل المثال: كانت المدينة المنورة ثم الكوفة وقرطبة والآستانة مراكز للإمبراطورية الإسلامية على مر تاريخها.

 
ومن ناحية ثالثة، إذا كان تطور المدينة الأوروبية المعاصرة يعد دليلاً على الرقي الإنساني -طبقًا للفكر الغربي- فإن ابن خلدون اعتبر ذات الصورة من رفاهية العيش والاستهلاك طورًا تحدث فيه اختلالات في تطبيق منظومة القيم الإسلامية والضوابط التي تحدد حدود الإنسان، ومنهج تفاعله في الكون، وبالتالي تنافي مفهوم استخلاف الإنسان في الأرض، واعتبر أن مؤشر ذلك هو سكنى الحضر والمدن -مرحلة الحضارة-، وبالتالي فهي لديه نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير.

 

2

-

اتجاه ترجمة "Civilization" إلى اللفظ العربي "حضارة":

 

يُعد هذا الاتجاه هو الأكثر شيوعًا في الكتابات العربية ابتداء من الربع الثاني من القرن العشرين، وبملاحظة التعريفات المقدمة لمفهوم "الحضارة" نلحظ أنها هي نفسها التعريفات التي وضعت إزاء "المدنية"، فالخلاف لفظي والمحتوى واحد وهو المضمون الأوروبي. فعادة، يربط مفهوم الحضارة إما بالوسائل التكنولوجية الحديثة، أو بالعلوم والمعارف والفنون السائدة في أوروبا، أي خلاصة التطور الأوروبي الحالي. وينطلق هؤلاء من أن الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني الموجود في المجتمع، وأنها تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني.

المزيد


العلمانية

يوليو 26th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

بقلم/ أ.د.عبد الوهاب المسيري

 

 

يعد مصطلح "العلمانية" من أهم المصطلحات في الخطاب التحليلي الاجتماعي والسياسي والفلسفي الحديث ، لكنه ما يزال مصطلحاً غير محدد المعاني والمعالم والأبعاد.

 
كلمة "العلمانية" هي ترجمة لكلمة "سيكولاريزم Secularism" الإنجليزية، وهي مشتقة من كلمة لاتينية "سيكولوم Saeculum"، وتعني العالم أو الدنيا و توضع في مقابل الكنيسة، وقد استخدم مصطلح "سيكولارSecular " لأول مرة مع توقيع صلح وستفاليا(عام 1648م)-الذي أنهى أتون الحروب الدينية المندلعة في أوربا- وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية) مشيرًا إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية. وقد اتسع المجال الدلالي للكلمة على يد جون هوليوك (1817-1906م) الذي عرف العلمانية بأنها: "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض".

 
و تميز بعض الكتابات بين نوعين: العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة.

 

1

-

العلمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، ومن

 

ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة "فصل الدين عن الدولة"، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وما ورائيات، ويمكن تسميتها "العلمانية الأخلاقية" أو "العلمانية الإنسانية".

 

2

-

العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين والقيم

 

المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي،ويطلق عليها أيضاً "العلمانية الطبيعية المادية"(نسبة للمادة و الطبيعة).

ويعتبر الفرق بين ما يطلق عليه "العلمانية الجزئية" وما يسمى "العلمانية الشاملة" هو الفرق بين مراحل تاريخية لنفس الرؤية، حيث اتسمت العلمانية بمحدوديتها وانحصارها في المجالين الاقتصادي والسياسي حين كانت هناك بقايا قيم مسيحية إنسانية، ومع التغلغل الشديد للدولة ومؤسساتها في الحياة اليومية للفرد انفردت الدولة العلمانية بتشكيل رؤية شاملة لحياة الإنسان بعيدة عن الغيبيات ، واعتبر بعض الباحثين "العلمانية الشاملة" هي تجلي لما يطلق عليه "هيمنة الدولة على الدين".

وقياسا على ذلك فلقد مرت العلمانية الشاملة بثلاث مراحل أساسية:

 

1

-

مرحلة التحديث: حيث اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة

 

بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة من الإنتاج هي الهدف النهائي من الوجود في الكون، و لذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل و الاستعمار الأوروبي في الخارج لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية، و استندت هذه المرحلة إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية و تتبنى العلم و التكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، و انعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقية و مادية تدعو بشكل ما لتنميط الحياة، و تآكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة.

 

2

-

مرحلة الحداثة: وهي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد

 

وتعمق أثاره على كافة أصعده الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات الإثنية ، وكذلك أصبحت حركيات السوق (الخالية من القيم) تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة.

 

3

-

مرحلة ما بعد الحداثة: حيث الاستهلاك هو الهدف النهائي

المزيد


عن الأمن القومي

يوليو 26th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

دكتور/ زكريا حسين-أستاذ الدراسات الإستراتيجية
المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية -مصر

 

 

على الرغم من الأهمية القصوى لمفهوم "الأمن" وشيوع استخدامه، فإنه مفهوم حديث في العلوم السياسية، وقد أدى ذلك إلى اتسامه بالغموض مما أثار عدة مشاكل، فلا يُعَدُّ اصطلاح "الأمن" هو أفضل المصطلحات للتعبير عن الأمن الوطني للدولة المعاصرة من ناحية، كما لم يتبلور المفهوم لكي يصبح حقلاً علميًّا داخل علم السياسة –منفصلاً عن علوم الإستراتيجية- تطبق عليه قواعد تأسيس النظرية، بدءاً من وضع الفروض وتحديد مناهج البحث الملائمة، واختيار أدوات التحقق العلمي، وقواعد الإثبات والنفي وإمكانية الوصول إلى نظرية عامة، وبالتالي الوصول إلى قانون يحكم ظاهرة "الأمن الوطني".

ويعود استخدام مصطلح "الأمن" إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث ظهر تيار من الأدبيات يبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحرب، وكان من نتائجه بروز نظريات الردع والتوازن، ثم أنشئ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1974م، ومنذ ذلك التاريخ انتشر استخدام مفهوم "الأمن" بمستوياته المختلفة طبقًا لطبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

أولاً: مفهوم الأمن

على الرغم من حداثة الدراسات في موضوع "الأمن" فإن مفاهيم "الأمن" قد أصبحت محددة وواضحة في فكر وعقل القيادات السياسية والفكرية في الكثير من الدول.. وقد برزت كتابات متعددة في هذا المجال، وشاعت مفاهيم بعينها في إطاره لعل أبرزها "الأمن القومي الأمريكي" و"الأمن الأوروبي" و"الأمن الإسرائيلي" و"الأمن القومي السوفييتي" قبل تفككه.

* وفي مجال التوصل إلى مفهوم متفق عليه "للأمن"، فإنه يجدر بنا التعرف على ذلك المدلول في إطار المدارس الفكرية المعاصرة.

** "فالأمن" من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعني "حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية".

** ومن وجهة نظر هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يعني أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء.

ولعل من أبرز ما كتب عن "الأمن" هو ما أوضحه "روبرت مكنمارا" وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وأحد مفكري الإستراتيجية البارزين في كتابه "جوهر الأمن".. حيث قال: "إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة". واستطرد قائلاً: "إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواء في الحاضر أو المستقبل".

ولعل أدق مفهوم "للأمن" هو ما ورد في القرآن الكريم في قوله - سبحانه وتعالى -: "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ". ومن هنا نؤكد أن الأمن هو ضد الخوف، والخوف بالمفهوم الحديث يعني التهديد الشامل، سواء منه الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، الداخلي منه والخارجي.

وفي إطار هذه الحقيقة يكون المفهوم الشامل "للأمن" من وجهة نظري هو:

"القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية، الاقتصادية والعسكرية، في شتَّي المجالات في مواجهة المصادر التي تتهدَّدُها في الداخل والخارج، في السلم وفي الحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطاً للأهداف المخططة".

ثانيًا: ركائز وأبعاد ومستويات الأمن

على ضوء المفهوم الشامل للأمن، فإنه يعني تهيئة الظروف المناسبة والمناخ المناسب للانطلاق بالإستراتيجية المخط

المزيد


التراث بين وجوب التقدير ومخاطر التقديس

يوليو 4th, 2007 كتبها التيار البديل نشر في , دراسات

التراث بين وجوب التقدير ومخاطر التقديس

أ. د. أسعد السحمراني

مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني

أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي- بيروت

 

1-            في المصطلح:

 

الإرث عند ابن منظور في لسان العرب: أمر قديم توارثه الآخر عن الأول. والإرث من الشيء البقية من أصله.

وعنده كذلك ورث؛ الوارث: صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق، ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل يرث الأرض ومن عليها… وقوله عزّ وجلّ: "وورث سليمان داود"؛ قال الزّجّاج: جاء في التفسير أنه ورّثه نبوته وملكه.

الميراث أصله مِوْراث، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والتراث أصل التاء فيه واو… وقيل: الوِرث والميراث في المال، والإرث في الحسب. (1)

 

أما الراغب الأصفهاني فقد جاء عنده: ورث: الوراثة والإرث، انتقال قُنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجر العقد، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت. فيقال للقُنية الموروثة: ميراث وإرث. وتراث أصله وراث فقلبت الواو تاءً.(2)

 

وفي المعجم العربي الأساسي: تراث: مجموع الآراء والأنماط والعادات الحضارية المنتقلة جيلاً إلى جيل.(3)

 

إن الإرث ما حصّله السلف عن الخلف من أمور معنوية ومادية، وفي المسار الحضاري يكون الإرث أو الميراث كل مخزون فكري وعلمي واقتصادي وعمراني وفني أو من العادات والتقاليد وكل ما يخص الهوية الثقافية والشخصية القومية لأمة ما، فالتراث هو الأصل الذي حدّد مكونات الشخصية لأمة ما، وهذا الإرث الذي أصبح تراثاً يكون نتاج تراكم معرفي، وتواصل في الإنجاز الحضاري، وكل ما أنجزته أمة قبل الآن الحضاري والمعرفي يسمى تراثاً.

والتراث قد يتم نقله وحفظه بالتدوين والنقش والرسم ومما خلفته الأمة من عمران ومكتشفات. وقد يكون نقل التراث عبر تواصل الأجيال بالقول المأثور المنقول شفهياً أو يمضي من خلال التقاليد والأعراف، أو قد ينتقل التراث بالأفعال والممارسات.

وقد عرّف التراث أحدهم قائلاً: "التراث بمعناه الواسع، هو ما خلّفه السلف للخلف من ماديات ومعنويات أيّاً كان نوعها، وبمعنى آخر، هو كل ما ورثته الأمة وتركته من إنتاج حضاري وفكري، سواء فيما يتعلق بالإنتاج العلمي أو بالآداب، أو بالصور الحضارية التي ترسم واقع الأمة ومستقبلها". (4)

 

يشمل التراث كل ما يتعلق بالتراث الحضاري لأمة مادياً ومعنوياً، وإذا يمّم بعضهم شطر الأدب والفكر فقط فالأمر عندها يكون بأنه "يتمثل تراثنا الأدبي والفكري في كل ما صدر عن الأمة العربية معبّراً، بالكتابة، عن وجوه نشاطها المختلفة، ممثلاً بذلك صور حياتها الظاهرة والباطنة، منذ اتجه المسلمون إلى التدوين، يسجلون به ما يصدر عنهم، وما يحتفظون به في صدورهم، أو يتناقلونه بالرواية عن أسلافهم". (5)

 

كل ما تركه السلف مدوناً، أو منقولاً بالرواية الشفهية، أو أعرافاً وأنماطاً سلوكية هو تراث لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن الأمة العربية لها تراثها، وخصائصها الحضارية، وهويتها الثقافية لكن تحولاً رئيساً حصل مع الإسلام حيث نمت في ظلاله التكوينات التاريخية للأمة، وحيث شكل الإسلام بمفرده أو بالمقارنات مع الديانات، وما كان يسود من قيم مقبولة أو مرفوضة، المحور والأساس للحركة العلمية ليس في باب العلوم الدينية في العقيدة أو فقه العبادات والمعاملات فحسب، وإنما في سائر العلوم لأن مقاصد الشريعة، وموقع الإنسان في الدين أدّيا حكماً إلى العناية بالبحث والاكتشاف والاختراع إشباعاً لفضول الإنسان علمياً، ومن أجل تحقيق سعادته ومستلزمات معاشه بالشكل الأفضل.

 

هذا ما دفع بعض المتحدثين عن التراث إلى تعزيز الارتباط بينه وبين الدين، وقد قال: "نعني بالتراث في هذا المقام ما تناقلته أجيال الأمة من العلوم والمعارف نظرية وتطبيقية في مختلف حقول المعرفة النظرية، ومختلف مجالات التطبيق في الحياة العملية مما هو من كسبها الاجتهادي في التدين بالدين الإسلامي: فهماً لأحكامه ومطلوباته المجردة، وتنـزيلاً لها على واقع الحياة في مناحيها المختلفة، أخذاً بعين الاعتبار في هذا المفهوم لكون كل العلوم النظرية والعملية التي أنتجها المسلمون تدخل ضمن مفهوم التدين، باعتبار أن كسبها كان بداعية من الدين، فهي بوجه من الوجوه إنما هي أفهام للدين أو تطبيقات له".(6)

 

إن الإسلام أعلى من مكانة العلم والعلماء، والعقل فيه أكرم ما خلق الله سبحانه وتعالى، لذلك يكون الاهتمام العلمي أمراً ضرورياً من أجل التزام التوجيه الإسلامي باتجاه العلوم والمعارف، فهي أساس في الوقوف على آيات الله تعالى الكونية، مما يعمّق الإيمان، وهي ميدان لفهم المحيط في كل خصائصه، وهي تفقه لصياغة واستنباط الأحكام الأمثل التي ستكون دليلاً في التطبيق والممارسة.

والتراث لم يعد العمل في المصنفات التي تركها القدماء لجهة الضبط والشرح ووضع الحواشي والتعليقات، أو إيضاح غوامضها، وإنما باتت كلمة تراث تطلق على كل عطاء معرفي تركه السابقون حتى لو كان هؤلاء قد رحلوا منذ أمد قصير.

 

ويفيد أن يتمّ عرض ما حدّده حسين محمد سليمان في تصنيف التراث وهو على الوجه التالي:

"1- ما تراكم خلال الأزمنة من تقاليد وعادات وتجارب وخبرات وفنون وعلوم في شعب من الشعوب، وهو جزء أساسي من قوامه الاجتماعي والإنساني والسياسي والتاريخي والخلقي، ويوثق علائقه بالأجيال الغابرة التي عملت على تكوين هذا التراث وإغنائه.

2- فنياً: يبرز فعل التراث في آثار الأدباء والفنانين، فتصبح هذه الآثار محصلاً لانصهار معطيات التراث وموحيات الشخصية الفردية.

وحينما يقال تحقيق التراث؛ يراد من كلمة التراث في هذه العبارة الكتب المخطوطة التي ورّثها السلف للخلف.

وامتدت معاني الكلمة فيما بعد، فصارت تشمل أي تراث كان، دون تحديد حدود معينة لتاريخ، فكل ما خلّفه مؤلف من إنتاج فكري بعد حياته طالت تلك الحياة أو قصرت يُعدّ تراثاً فكرياً". (7)

 

إن حياة الشعوب، وحضارات الأمم نتاج تراكم، وفعل تواصل بين أصالة الماضي والتراث ووقائع الحاضر ومنجزاته، والتطلع إلى المستقبل واستشرافه، وبذلك يكون التراث الأساس الذي تنطلق منه مسيرة الأمة في التاريخ، وعند هذا الحد تظهر أهمية التراث.

 

موقع التراث وأسلوب التعامل معه:

 

إن التعامل مع التراث العربي والإسلامي غير ممكن خارج مظلة سلطة النص لأن كلمة الله تعالى رسالة الإسلام جاء مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم قرآناً هو نص موحى، وسنّة صحيحة ما كان صاحبها ينطق عن الهوى لذلك بات النص في الإسلام منطلقاً للمعرفة، وحاثّاً على البحث، وفيه الثوابت التي تشكل معايير لصدقية الكثير من نتائج الكشف العلمي هذا بالإضافة إلى منظومة القيم المحددة التي يجب على المؤمن أن يلتزمها في حياته اليومية.

والنص القرآني جاء نزوله على مدى ثلاثة وعشرين عاماً كي يتمّ استيعابه ويجري بعد ذلك الالتزام والتطبيق، ويتم الحفظ والتدوين مع ما يرافق ذلك من سنّة نبوية جاءت تفسّر أو تفصّل أو تطبق أو تعطي الحكم في المسكوت عنه في النص القرآني، وفي كل هذا كان منهج تربوي رباني ليكون النص هو المنطلق والضابط والهادي إلى السبيل القويم.

 

ويقول مالك بن نبي معلقاً على تعدد التساؤلات حول الوحي ونزوله تدريجياً ومنجماً: "إننا ببحثنا مسألة تجزئة الوحي في ضوء هذه النظرات نستطيع أن ندرك أولاً قيمته التربوية. فتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تتسم بميلاد دين، وبزوغ حضارة.

وسيهدي الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاماً سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد، وهو يحوطهم كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة… ولو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحول سريعاً إلى كلمة مقدسة خامدة، وإلى فكرة ميّتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدراً يبعث الحياة في حضارة وليدة.

فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بها الإسلام لا سرّ لها إلا في هذا التنجيم.

والقرآن يبرز هذه الخاصة الخفية وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا أُنزِل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً). (8)

فنزول القرآن على نجوم، وقد كان في اعتبار الجاهلين نقصاً شاذاً، يتجلى لنا بمراجعتنا الزمن والأحداث شرطاً أساسياً ضرورياً لانتصار الدعوة المحمدية".(9)

 

إن هذا المنهج في نزول الوحي غرضه تربية الذين دخلوا في الإسلام بالتدرج في إلزامهم بالأحكام، وفي طلب أداء العبادات، وبمراعاة العقل البشري في القدرة على الاستيعاب، ويؤكد آخرون على الفهم الذي ذهب إليه مالك بن نبي، وقد قال أحدهم: "إذن كان الوضع وضع دعوة تتطور وتنمو بدرجة عظيمة، وتشريعات كثيرة جديدة واكبت عمر الدعوة حتى وفاة الرسول يوماً بيوم ولحظة بلحظة، بل وتغيّرت تشريعات متنوعة ونُسخت آيات متعددة، وتمّ الاجتهاد في مواقف كثيرة لم ينزل بها نص صريح، وذلك كله لمواكبة الجديد المتوالي والمتسارع بحكم القفزة الكبرى التي أحدثتها الهجرة إلى يثرب وما استتبعها من أحداث".(10)

 

إن هذه اللفتة لجهة التعامل مع النص الديني وفي رحابه بما يلبي الحاجة في واقع الاجتماع والجغرافيا إنما يقودنا إلى وضع لبنة أساسية في بناء منهج التعامل مع التراث والنظرة إليه.

فالتراث على أهميته وموقعه في المسار الحضاري إنما هو ما خلّفه السلف ويحتاج إلى إعادة القراءة مع التنقية، وإجراء عملية فرز بين الإيجابي والسلبي، بين ما هو فاعل ولازم لحياة الأمة اليوم، وبين ما مضى عهده وانقضى، فالمعيار هو التطبيق، وصلاحية ما هو في التراث لإجراء الأفعال وفق مقتضاه، وأما


المزيد