حزب العدالة والتنمية
كتبهاالتيار البديل ، في 8 أبريل 2008 الساعة: 18:22 م
حل حزب العدالة.. معركة تركيا الفاصلة

مركز النخبة للدراسات
الخطوة التي أقدمت عليها القوى العلمانية التركية بإيعازها للمدعي العام في البلاد طلب حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم، مرحلة من مراحل الصراع المحتدم بين تيارين: أحدهما حامي الإرث العلماني الكمالي في تركيا، والآخر يعاني من ظلم واضطهاد التيار الأول، رغم التأييد الشعبي الجارف له منذ دخوله معترك الحياة السياسية.
منذ وصول حزب العدالة إلى سدة الحكم في البلاد سيطر على مؤسسات سيادية مهمة كالبرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وسعيه لتحرير البلاد من سيطرة الفئة المتسلطة عبر إقرار تعديلات قانونية ودستورية مختلفة، آخرها تخفيف القيود المفروضة على حجاب طالبات الجامعات.. وكانت ردود أفعال الفئة المتسلطة متوقعة. لكن معظم المحللين كانوا يرون أن الرد على الخطوة الأخيرة سينحصر في السعي لدى المحكمة الدستورية لإبطال التعديلات الدستورية الخاصة بالحجاب. فلم يكن أحد يتوقع أن تتوجه الخطوة المضادة إلى رأس الحزب الحاكم مباشرة. ربما لأنهم نظروا إلى المشهد من جانب واحد ولم يأخذوا الجوانب الأخرى في الاعتبار، التي دفعت العلمانيين إلى اتخاذ خطوة تعتبر استباقية في المعركة الفاصلة الجارية فصولها بين التيار العلماني وبين التيار الإسلامي المدعوم شعبيا.
حينما فكر وقرر العلمانيون الرد على حزب العدالة لم يكونوا يقصدون فقط مواجهة التعديلات الدستورية التي استطاع الحزب تمريرها مؤخرا في البرلمان، فهم يردون على الخطة التي ينفذها الحزب ويرونها بهدف القضاء على قلاع العلمانية في البلاد واحدا تلو الآخر، سعيا لتحقيق الديمقراطية الحقيقية التي تضمن لكافة أفراد الشعب التركي الحقوق والحريات الأساسية التي يتمتع بها المواطنون في كافة الديمقراطيات الغربية.
العدالة.. حزب الحاضر والمستقبل
حينما أكد بولنت أرينتش، رئيس البرلمان التركي السابق وأحد قادة حزب العدالة، في تعليقه على طلب حظر الحزب، أن حزب العدالة والتنمية "سيظل في السلطة 25 عاما على الأقل"، كان يشير بوضوح إلى نفس النتيجة التي توصل إليها التيار العلماني حينما قرر السير قدما في خطوته نحو حظر الحزب.
فحزب العدالة والتنمية منذ وصوله للسلطة في العام 2002 استطاع تحقيق نتائج مهمة على صعيد تثبيت أركان سلطته الشعبية في مواجهة خصومه العلمانيين. وسار الحزب في هذا الإطار في عدة مسارات متوازية. فقد عمل الحزب جاهدا على تطويق القلاع العلمانية بادئا بالسيطرة على المؤسسات السيادية المهمة، خاصة رئاسة الجمهورية التي كانت تُعدّ مؤسسة علمانية خالصة. ثم اتجه الحزب إلى تطويق المؤسسة العسكرية حامية العلمانية في البلاد من خلال وضع التشريعات التي تقلص دور الجيش في العملية السياسية وتقصر مهامه على الشأن العسكري فقط، مع التقرب من قيادات الجيش عبر السماح بشن حرب ضد حزب العمال الكردستاني وتعقب فلوله داخل الأراضي العراقية كما حدث مؤخرا.
في نفس الوقت سعى الحزب جاهدا إلى تقديم نموذج للحزب الحاكم مغاير لذلك الذي قدمته الأحزاب العلمانية التي سبقته في الحكم من خلال العمل على تحسين أحوال البلاد في شتى المجالات، خاصة المجال الاقتصادي، والقضاء على الفساد المستشري في كافة المؤسسات فضلا عن تقديم صورة نقية ونزيهة لأعضاء الحزب، سواء كانوا في الحكومة والبرلمان أو خارجهما.
شعر العلمانيون بتهديد من قبل حزب العدالة الذي أصبح يتمتع بأغلبية شعبية كبيرة ظهرت خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي. وزاد هذا الشعور بالتهديد مع إعلان الحزب عن سعيه لإحداث تعديلات دستورية كبيرة وجوهرية العام المقبل قد تقضي على ما تبقى من النفوذ العلماني في البلاد عبر إعادة هيكلة المؤسسة القضائية التي يسيطر عليها العلمانيون، إضافة إلى إصلاح كافة المؤسسات الحكومية الأخرى وزيادة الحقوق الفردية والجماعية للشعب التركي.
خطوة استباقية
هنا تحرّك التيار العلماني باتخاذ خطوة استباقية لمواجهة حزب العدالة. ولأن الأسلحة التي تبقت في أيديهم باتت محدودة بعد تقليم أظافر الجيش وتقليص سلطاته في الحياة السياسية، سلك العلمانيون طريق المحكمة الدستورية التي يسيطرون عليها، حيث تتكون من 11 قاضيا معظمهم من غلاة العلمانيين الذين عينهم الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر. إضافة إلى السعي لاستغلال الفرصة قبل إحالة عدد من هؤلاء القضاة إلى التقاعد نهاية السنة الحالية، ليخلفهم قضاة يعينهم الرئيس عبد الله جول، أحد قادة حزب العدالة، إذ سيكونون بطبيعة الحال موالين للحزب.
نتائج سلبية
رغم أن لخطوة العلمانيين بحظر حزب العدالة تداعياتها السلبية على الدولة والمجتمع التركي، فإن ذلك لم يردعهم للرجوع عنها. فما يهمهم هو القضاء على أية بادرة لخروج المجتمع والدولة بعيدا عن سيطرتهم ونفوذهم الذي كبل البلاد بالكثير من المشكلات الداخلية والخارجية وجعلها في مصاف الدول النامية لفترة طويلة.
ومن أبرز التداعيات السلبية لمحاولة حظر حزب العدالة: تزايد حالة التوتر السياسي في البلاد, وانصراف اهتمام الحزب عن تنفيذ الإصلاحات التي بدأها، وتأثيراتها السلبية على الأسواق التركية التي تعاني بالفعل من مشكلات مالية. وقد انخفض سعر العملة التركية وتراجعت بورصة إستانبول بنسبة 57% في نفس يوم إعلان المحكمة قبول النظر في دعوى حل حزب العدالة في 31 مارس الماضي.
كما تلقي هذه القضية بظلالها على محاولة أنقرة الانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث أشار المفوض الأوروبي المسئول عن شئون توسيع الاتحاد "أولي رين" إلى أن هذه القضية كشفت عن خطأ نظامي في الإطار الدستوري لتركيا قد يعرض محادثات الانضمام للخطر. وقال رين: "إنه في أي ديمقراطية أوروبية عادية تناقش القضايا السياسية في البرلمان وتتخذ القرارات بشأنها في صناديق الاقتراع وليس في قاعات المحاكم". كما حذر "يوست لاجنديش" عضو البرلمان الأوروبي الذي يرأس لجنة القضايا التركية من السعي لحظر الحزب، قائلا: "لقد استطاع حزب العدالة والتنمية تحديث تركيا أكثر مما قامت به الأحزاب العلمانية في السنوات الماضية. فقد أظهروا استعداهم لفتح النظام وإدخال إصلاحات، وهو ما لم ينجح فيه العلمانيون". ومن جانبه، قال مات بريزا مساعد نائب وزيرة الخارجية الأمريكية إن هذه قضية تمثل عقلية قديمة بعيدة عن إيقاع القرن الحادي والعشرين، مشيرا إلى أن "صورة تركيا في أوروبا تعرضت لضربة".
مواجهة القانون بالقانون
استطاعت المحكمة الدستورية التركية حظر العديد من الأحزاب لنفس الأسباب التي دفع بها المدعي العام في تبريره طلب حظر حزب العدالة، دون أن تتمكن هذه الأحزاب من اتخاذ أية خطوات دفاعية، منتظرة مصيرها الذي حددته المحكمة. لكن يبدو أن حزب العدالة سيكون أمره مختلفا. فلن ينتظر الحزب أن يذبح بسكين المحكمة الدستورية كما حدث لتلك الأحزاب، بل يسعى هو الآخر لشحذ سكينه القانونية والدستورية في مواجهة المحكمة الدستورية عبر الإعلان عن الإسراع بدفع رزمة التعديلات الدستورية التي تهدف إلى هيكلة القضاء بشكل عام والمحكمة الدستورية بشكل خاص، خلال الأسابيع القليلة القادمة وعدم انتظار التعديلات الموسعة للدستور المقررة العام المقبل، وذلك من أجل التقليل من صلاحيات المحكمة في التدخل في العملية السياسية، خاصة ما يتعلق منها بغلق الأحزاب السياسية.
وتتضمن تلك التعديلات زيادة نفوذ البرلمان في اختيار أعضاء المحكمة الدستورية وتقييد سلطة المدعي العام والمحكمة بشأن حل الأحزاب، وذلك عبر رفع عدد أعضاء المحكمة الدستورية من 11 عضوًا حاليا إلى 17 عضوًا، وأن يتم اختيار القسم الأكبر منهم من قبل البرلمان التركي، وليس من قبل رئيس الجمهورية، أي 8 من قبل البرلمان التركي، و4 من مجلس قضاء الدولة، و4 من مجلس شورى الدولة، وعضو من قبل المجلس المحاسبي العام ، ثم أن لا يُحظر أي حزب إلا بموافقة البرلمان.
وقد ازداد موقف حزب العدالة قوة بعد إعلان حزب الحركة القومية التركي المعارض أنه سيساعد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تعديل الدستور بشكل يجنبه خطر الإغلاق، وذلك خوفا من أن ينال الإغلاق أحزابا أخرى غير حزب العدالة والتنمية. على أن الحزب المعارض يسعى أيضا إلى منع حزب العدالة من تنفيذ تهديده باللجوء إلى طرح التعديلات الدستورية على الاستفتاء الشعبي، في حال لم يتم تمريرها في البرلمان، بحكم أن الحزب الحاكم لا يملك النسبة المقررة دستوريا لتمرير التعديلات الدستورية، وهي ثلثا الأعضاء. فقد حذر زعيم حزب الحركة القومية "دولت باهشلي" من هذه الخطوة، واعتبر أن "الحزب الحاكم يلعب بالنار وسيدخل تركيا في دوامة خطرة".
كما عبرت أوساط سياسية معارضة أخرى عن قلقها حيال هذا الاستفتاء، باعتبار أن ذلك سيشكل في نظر كثيرين من العلمانيين استفتاء على علمانية تركيا، طالما أن الدعوى تتهم الحزب بالتحول إلى بؤرة للأعمال المناهضة للعلمانية، وتصويت غالبية الشعب - كما هو متوقع - باتجاه رفض حظر الحزب، ستعني أن الشعب يعترض على النظام العلماني القائم.
يبدو أن حزب العدالة والتنمية يستطيع أن يحول نقاط القوة لدى خصومه إلى نقاط ضعف. فبعد أن كانت المحكمة الدستورية وأحكام الدستور سيفا مسلطا لدى التيار العلماني على رقاب التيار الإسلامي المدعوم شعبيا، أصبح العكس هو الصحيح، إذ استطاع قادة حزب العدالة أن يقرءوا معنى خطوة العلمانيين الأخيرة وأنها استباقية بهدف الدفاع عما تبقى لهم من نفوذ، أكثر من كونها محاولة حقيقية للقضاء على عدوهم اللدود الذي تزداد قوته يوما بعد يوم. ولذا فقد تعامل معها الحزب على هذا الأساس واستخدم أسلحته ليقضي على هذا الهجوم الذي يبدو أنه سيكون الأخير في الحرب الدائرة بين الخارجين عن سياق التاريخ والأحداث وبين قادة الشعب الحقيقيين الذين استطاعوا أن يستعيدوا هويته ومكانته ودوره المغيب منذ عقود عديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مع الأحداث | السمات:مع الأحداث
دوّن الإدراج

























