د. جلال أمين يكتب: قصة الفساد في مصر6

كتبهاالتيار البديل ، في 4 أبريل 2008 الساعة: 20:30 م

32imag 

د. جلال أمين يكتب: قصة الفساد في مصر «٦-٩»

كيف تحول الفساد إلي قانون؟

المصري اليوم

٣/٤/٢٠٠٨

كان فؤاد محيي الدين، الذي كان أول من شغل منصب رئيس الوزراء في عهد مبارك، آخر رئيس للوزراء له تاريخ معروف في الاشتغال بالسياسة، أو حتي في الاهتمام بها. ثم أتي بعده رؤساء للوزارة ليس لهم أي تاريخ سياسي، بل عرف عنهم قبل توليهم مناصبهم، النفور من السياسة وتفضيل الاهتمام بأمورهم الشخصية، أو بشؤون وظيفتهم الضيقة.

 

ما نوع الوزراء الذين يمكن أن يأتي بهم هؤلاء؟

 

وأي قضية عامة يمكن أن تشغلهم أو تصرفهم عن الاهتمام بتنمية ثرواتهم الخاصة؟

 

الإجابة هي: وزراء ينشغلون أكثر فأكثر بشؤون ماليتهم الخاصة، ولا يجدون غضاضة في تنمية ممتلكاتهم، بغض النظر عن أي قضية عامة. لقد أخبرني أحمد بهاء الدين مرة، في أوائل عهد مبارك، بمحتوي تقرير سري وصله من إحدي الجهات الموكول إليها أمر الأمن القومي، التي يطلب منها ما تجمع لديها من معلومات عن بعض الشخصيات العامة التي يراد تعيينها في منصب كبير في الدولة، وكان التقرير يقتطف قولاً لأحد المرشحين لتولي منصب الوزير في وزارة مهمة مؤداه: «إن من يصبح وزيراً، ويقضي سنة في الوزارة دون أن يصبح مليونيراً، لابد أن يكون مصاباً بالهبل». ومع هذا فقد تم تعيين هذا الشخص نفسه وزيراً، رغم هذا التقرير، وعندما ترك الوزارة بسبب تعارض مصالحه الخاصة مع مصالح أخري خاصة أقوي منه، جاء بعده وزير لا يختلف عنه.

 

في ظل دولة يحكمها رجال من هذا النوع، كانت تحدث أيضاً أشياء أخري أصابت المصريين بوجه عام بما جعلهم بدورهم أكثر استعداداً لممارسة الفساد من ذي قبل.

 

***

 

ففي العشرين سنة الأخيرة تضافرت عدة عوامل قوية لانتشار الفساد بين الشرائح المختلفة في المجتمع المصري، العليا والوسطي والدنيا، بدرجة لم يعرف مثيل لها لا في السبعينيات ولا في الستينيات ولا في الخمسينيات، ولا في عهد ما قبل الثورة: دولة ضعيفة فاقدة القدرة أو حتي الرغبة في معاقبة الخارجين عن القانون، ولا تملك أي مشروع قومي أو هدف وطني يجتمع عليه الناس، وتعلق أهمية كبري علي رضا القوة الخارجية التي تحميها وتسمح لها بالبقاء في الحكم وتعطيها المعونات، أهمية تفوق بكثير ما تعلقه علي رضا الناس، في وقت انكشفت فيه مصر انكشافاً غير معهود علي العالم، وعلي مستويات الاستهلاك العالية في الخارج،

 

وأصبح المصدر الأساسي (أو الوحيد) لكسب احترام الناس وحسدهم هو امتلاك ثروة كبيرة واستعراض السلع الاستفزازية أمام الناس، وتدهورت فيه مكانة العلم والشهادات الجامعية والموهبة، بل حتي مكانة الوزراء فلم يعد أحد يبالي بمعرفة أسمائهم ولم يشتهر منهم إلا من نجح في استخدام نفوذه لزيادة ثروته بدرجة تزيد علي المعتاد. في نفس الوقت زاد الضغط الخارجي علي الدولة المصرية لبيع شركة بعد أخري من شركات القطاع العام، وللتساهل الشديد مع المستثمر الأجنبي، والخصخصة وقدوم الاستثمارات الأجنبية يخلقان فرصاً رائعة لزيادة ثروات الكبار.

 

كما وجدت فرص رائعة لزيادة الثروات بقيام الدولة ببيع أراضيها لأصحاب النفوذ بأسعار زهيدة ولكن سرعان ما تتضاعف، ليبنوا عليها قصوراً شاهقة أو يعيدوا بيعها بالأسعار الجديدة.

 

في دولة كهذه، مازالت رغم كل ما أعلنته عن تنازلها عن دورها للقطاع الخاص، تملك العديد من البنوك والشركات والمجلات والصحف فتصدر نشرة دورية بتعيين أو عزل رؤساء تحرير هذه المجلات والصحف، وتملك أكبر دار لنشر الكتب، ومازالت تتحكم فيمن يقبل أو لا يقبل في الجامعات، ومن الذي يظهر أو لا يظهر علي شاشة التليفزيون، بل تقدم الدعم لأحزاب المعارضة حتي يمكن للدولة أن تتظاهر بالديمقراطية.. إلخ، في دولة «شمولية» كهذه، ولكنها ضعيفة جداً مع ذلك إزاء رعاياها وإزاء القوي الخارجية في نفس الوقت، كيف لا يعم الفساد وينتشر انتشار النار في الهشيم؟

 

ساعدت هذه الظروف علي التزاوج والمصاهرة بين المال والحكم، بين من له سلطة اتخاذ القرار ومن لديه مصلحة أكيدة في نوع القرار الذي يجري اتخاذه، فأصبح لا يثير الاستغراب أن يعين ستة وزراء في حكومة واحدة يشرف كل منهم علي وزارة وثيقة الصلة بنشاطه التجاري قبل اعتلائه الوزارة، وبعده، وهو بالضبط المقصود بالمثل الشعبي «مسّكوا القط مفتاح الكرار»، مما كان يثير ضجة كبري في عهدها قبل الثورة، إذا حدث وتجرأ أحد عليه، إذ كان يعتبر من قبيل تضارب المصالح الخاصة مع المصلحة العامة مما يستحيل قبوله في أي دولة يحكمها القانون، فأصبح من الممكن حدوثه الآن دون أن يثير أي جلبة.

 

من الممكن أن نتصور في ظل هذا كله حجم الفساد الذي لابد أن يستشري بين الشرائح الاجتماعية القريبة من السلطة، أو القادة علي الاقتراب منها: حجم القروض التي يمكن أن تعطيها بنوك الدولة دون ضمان لأشخاص يهربون بها إلي الخارج ولا يسددونها، ورؤساء تحرير لصحف قومية يكوّنون ثروات ضخمة من حصيلة الإعلانات التي كان من الواجب أن تذهب للدولة، وذلك، مقابل ما يقدمونه لرجال الحكم من خدمات سياسية وشخصية،

 

 ومن ثم يرفضون بإباء وشمم تنفيذ القانون الذي يقضي بتركهم الخدمة عند بلوغ سن معينة، ويبقون في مراكزهم دون أن تجرؤ الدولة علي إزاحتهم. وشركات وهمية تنشأ تحت شعارات دينية، وتجمع بناء علي ذلك مدخرات صغار المستثمرين، فتستثمرها في مجالات مجهولة أو غير قانونية تحت سمع الدولة وبصرها، في مقابل أن توزع علي كبار المسؤولين أرباحاً خيالية طبقاً لكشوف تسمي «كشوف البركة»، وتصدر الدولة قرارات بتخفيض قيمة العملة أو رفعها طبقاً لمصلحة أشخاص من ذوي النفوذ يكوّنون الثروات من شراء العملة ثم بيعها.. إلخ.

 

***

 

عندما كان يحدث هذا بين الشرائح العليا في المجتمع، كانت عوامل أخري تعمل علي انتشار الفساد في شرائح المجتمع الدنيا والوسطي.

 

كان مجرد استمرار الزيادة السريعة في السكان، مع تراخي جهود التنمية، وانخفاض معدل نمو الدخل ابتداء من منتصف الثمانينيات، بعد انتهاء فورة الهجرة، ومن ثم ارتفاع معدل البطالة، وازدياد الاكتظاظ بالسكان في الأحياء الفقيرة، ونمو المساكن العشوائية، ونمو ظاهرة أولاد وبنات الشوارع، عاملاً قوياً بذاته لدفع الناس إلي الخروج عن القانون، إذ زاد باستمرار عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون مجرد البقاء علي قيد الحياة دون الخروج علي القانون.

 

صحيح أن الحراك الاجتماعي قد انخفض بدوره، ابتداء من منتصف الثمانينيات، مع تراخي معدل الهجرة إلي دول البترول، وعودة أعداد كبيرة من المهاجرين، وقد أدي هذا إلي تدهور في الطموحات وفي آمال الصعود علي درجات السلم الاجتماعي.

 

(وقد سبق أن ذكرت أن ارتفاع معدل الحراك الاجتماعي كان من العوامل المساعدة علي الفساد في السبعينيات) ولكن معدل التضخم استمر مرتفعاً طوال الثمانينيات وعاد إلي الارتفاع في أواخر التسعينيات مما وجه ضربة شديدة لشرائح واسعة من الطبقة الوسطي التي أصابها الجزع من تدهور مركزها الاجتماعي، فسمحت لنفسها بدرجة أكبر من ذي قبل بالخروج علي القانون لتحقيق مصالح خاصة.

 

ولم تجد هذه الشرائح لديها ما يكفي من شعور بالولاء للوطن يمكن أن يدفعها إلي التزام النزاهة الكاملة والتقيد بمبادئ الأخلاق. فمع ما طرأ من تغيير في السياسة العليا أصاب الشعور الوطني ضعف شديد، وتبخر الحماس لأي قضية قومية، وانغمس الناس أكثر فأكثر في مشاكل الحياة اليومية.

 

***

 

عندما كثرت أمثلة الخروج علي القانون، واطرد سماع الناس بمثال بعد آخر من أمثلة الفساد، في مختلف ميادين الحياة، اعتاد الناس علي ذلك ولم يعودوا يتوقعون شيئاً مختلفاً. وكلما زاد اعتياد الناس علي الفساد، تجرأ أصحاب المال وأصحاب السلطة علي ارتكابه أكثر فأكثر، وأصبح من المألوف سماع القول «بأن الفساد موجود في كل دولة في العالم، فما وجه الشكوي بالضبط؟» هكذا أصبحت الرشوة الصغيرة والكبيرة متوقعة بل واجبة، يجري دفعها واستلامها علناً ودون شعور بالحياء، واعتبرها الموظف جزءاً من دخله الشهري يؤخذ في الاعتبار في حساب الدخل مثلما تؤخذ في الاعتبار العلاوات والمكافآت، كما اعتبرها من يتعامل مع الحكومة جزءاً لا يتجزأ من الإنفاق الضروري، يؤخذ في الاعتبار في حساب تكاليف المعيشة مثلما تؤخذ في الاعتبار أسعار السلع.

 

هذا التكرار لأعمال الفساد وانتشاره، واعتياد الناس عليه، وتجرؤ الناس علي ارتكابه علناً، وقلة مبالاة السلطة بأي احتجاج عليه، وندرة وصوله إلي ساحة القضاء، ثم استهانة رجال السلطة بأحكام القضاء وامتناعهم عن تنفيذها إذا حدث ووصل الأمر إلي القضاء، كل هذا هو ما أعنيه «بتقنين الفساد» في العشرين سنة الأخيرة، أي أن الفساد أصبح هو نفسه القانون الذي لا يجوز الخروج عليه.

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر