د. جلال أمين يكتب: قصة الفساد في مصر 5
كتبهاالتيار البديل ، في 4 أبريل 2008 الساعة: 20:27 م
د. جلال أمين يكتب: قصة الفساد في مصر (٥ -٩)
عندما تصبح القضية العامة.. تنمية الثروات الخاصة
المصري اليوم
١/٤/٢٠٠٨
الدولة الشمولية تشجع علي الفساد بكثرة قوانينها وبتدخلها في كل كبيرة وصغيرة، والدولة الرخوة تشجع علي الفساد بضعفها ورخاوتها. فما بالك بدولة شمولية ورخوة في نفس الوقت؟
هكذا بدأت الدولة المصرية منذ الثمانينيات من القرن العشرين، فهي وإن لم تكن بشمولية الدولة الناصرية فقد احتفظت بالكثير من القيود علي حركة الأفراد وتصرفاتهم التي كان قد فرضها نظام عبدالناصر، مما يغري بالتخلص منه بدفع رشوة كبيرة أو صغيرة.
كان السادات قد ألغي الدولة البوليسية فأنهي التلصص علي الناس وقضي علي من كانوا يسمون «بزوّار الفجر»، كما أنه ألغي كثيراً من القيود علي الاستيراد، ولكن تحرير الاقتصاد ظل محدوداً حتي نهاية عهده، فورث نظام مبارك منه قطاعاً عاماً كبيراً، وإن كان ضعيفاً ومهلهلاً بسبب انصراف الدولة عن حمايته وتعرضه لمنافسة شديدة من الواردات. كان السادات قد قضي منذ ١٩٧١ علي ما اسماه «مراكز القوة»، وهي التي كانت تقيد بشدة الحريات السياسية والفردية، ولكن استمرت البيروقراطية المصرية العتيدة التي قويت في عهد عبدالناصر، تعطل مصالح الناس وتحملهم من الأعباء ما لا طاقة لهم به.
استمر إذن الدافع إلي ممارسة الفساد للتخلص من هذه القيود ولكن كانت الدولة في عهد مبارك أضعف بكثير، حتي منها في عهد السادات، في مواجهة هذا الفساد. هل كان هذا الضعف نتيجة لمجرد التغير في شخصية الحاكم؟ ربما كان لهذا بعض الأثر، ولكن من المؤكد أنه لم يكن العامل الحاسم، وإنما كان العامل الحاسم في رأيي شيئا يتعلق بالتغير الذي طرأ علي القضية الوطنية وعلي علاقة مصر بالقوي الخارجية.
كانت القضية الوطنية في عهد ما قبل الثورة، في غاية الوضوح والبساطة، إذ كان يمكن تلخيصها في التخلص من الاحتلال وجلاء الإنجليز، لقد تفاوت موقف الأحزاب المصرية وقتها في طريقة تحقيق هذا الهدف، فكان الوفد والحزب الوطني أكثرها تشدداً، ولكن لم يكن في استطاعة الأحزاب الأخري، عندما تأتي إلي الحكم، ولا حتي المستقلين، من أمثال إسماعيل صدقي أو علي ماهر، ألا يبذلوا كل ما في طاقتهم لتحقيق نفس الهدف، ولو عن طريق المفاوضة والمساومة.
في الخمسينيات والستينيات، وبعد أن تم جلاء الإنجليز في ١٩٥٦، رفع عبدالناصر شعارات جديدة التف الناس حولها وشكلت في نظر الغالبية العظمي من المصريين المحتوي الجديد «للقضية الوطنية»، وكانت تدور حول تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة الأجنبية، والتنمية الاقتصادية السريعة، وتقريب الفوارق بين الطبقات، ودعم الحركات العربية في تاريخ مصر في كفاحها للتحرر من الاستعمار، بما في ذلك دعم كفاح الفلسطينيين ضد الصهيونية.
في عهد السادات كان كل هذا قد انتهي: انتهي النضال ضد الإنجليز من أجل تحقيق الجلاء، وانتهي النضال ضد السيطرة الأجنبية علي الاقتصاد المصري بما تحقق من تمصير وتأميم، وانتهي دعم الحركات العربية للتحرر من الاستعمار والصهيونية، إما بجلاء الإنجليز والفرنسيين، أو بتبني السادات لسياسة «مصر أولاً».
تحولت القضية الوطنية في عهد السادات إلي تحرير الأرض المصرية التي احتلها الإسرائيليون في ١٩٦٧، وقد استغرقت هذه القضية عهد السادات كله، فلم تنته إلا بتوقيع السادات معاهدة الصلح في ١٩٧٩، أي قبل مقتله بقليل، وربما كانت هي نفسها السبب في مقتله.
عندما جاء الرئيس مبارك إلي الحكم، لم يكن أي من هذه القضايا الوطنية مطروحاً، فلم تكن أمامه لا قضية جلاء، ولا تحرير الاقتصاد، ولا دعم الحركات العربية، وبدت قضية الأرض المصرية المحتلة علي وشك الانتهاء بعد انسحاب إسرائيل من آخر جزء من سيناء في ١٩٨٢، ولم يبق إلا طابا التي كانت موضوعاً لمفاوضات أدت أيضًا إلي إعادتها للمصريين. ما الذي كان الرئيس مبارك يكافح من أجله إذن؟ ما الآمال الوطنية التي كان يعمل علي تحقيقها؟
لقد بدأ مبارك عهده بإطلاق سراح المسجونين السياسيين الذين كان السادات قد اعتقلهم في سبتمبر ١٩٨١، وأعاد لصحف المعارضة حريتها في الظهور. ثم ماذا؟ لم يكن لدي الرئيس مبارك أي شيء يعد به المصريين، ولم تكن هناك أي قضية واضحة يمكن أن تجري محاسبته علي مدي التقدم بشأنها، لقد كان لعبد الناصر رؤية واضحة ومعروفة لما يجب عمله بعد جلاء الإنجليز، في ميادين الاقتصاد وتوزيع الدخل وتوحيد صف العرب، وكانت للسادات رؤية في طريقة استعادة سيناء، ورؤية مضادة تمامًا لرؤية عبد الناصر في ميداني الاقتصاد وتوزيع الدخل، وفي العلاقات العربية.
وقد أثارت رؤية كل من الرجلين الجدل والعراك بين مؤيدين ومعارضين، ولكن ماذا كانت رؤية حسني مبارك لهذه الأمور أو لغيرها؟ لا شيء.
إنني لا أقصد بالطبع أنه بمجيء حسني مبارك كانت مصر قد حققت آمالها الكبار، ولم يبق هناك ما يمكن أن تلتف حوله قلوب المصريين، كان من الممكن أن تصبح القضية تصحيح أخطاء عهد السادات العديدة، في الاقتصاد والسياسة الخارجية والداخلية علي السواء،
كان من الممكن العمل علي تصحيح الإهمال الشديد للصناعة والزراعة طوال السبعينيات، وعلي تحويل الانفتاح إلي سياسة إيجابية تدفع الصناعة المصرية إلي الأمام بدلاً من تعريضها للمنافسة القاتلة من الواردات، وتحمي المجتمع من الآثار المدمّرة للتضخم الجامح، والعمل علي تطبيق ديمقراطية حقيقية والعدول عن تزييف الانتخابات والاستفتاءات، وتصحيح سياسة السادات نحو بقية الدول العربية فتستعيد مصر مكانتها المفقودة في العالم العربي، واستخدام ما كان لايزال باقيا في يد مصر من أوراق لإجبار إسرائيل علي تقديم تنازلات للفلسطينيين،
وعلي الأخص ورقة التطبيع ورفض المشروع «الشرق أوسطي» الذي شرعت إسرائيل في فرضه علي مصر. وفوق كل ذلك محاولة التخلص من الخضوع للإدارة الأمريكية في كل هذه الأمور: في تحرير الاقتصاد، وفي مصر عن بقية العرب، وفي السير قدماً في طريق التطبيع.
لقد ثارت بعض الآمال لدي المصريين في كل هذه الأمور، في الشهور الأولي من حكم مبارك، ولكن سرعان ما تبخرت عندما ظهر أن مبارك لا ينوي أن يفعل أي شيء من هذه الأمور، وأن الأخطاء التي بدأ السادات في ارتكابها سوف تستمر في عهد مبارك أيضًا.
نعم، كانت شخصية الرئيس مبارك ملائمة تمامًا للاستمرار في الطريق الذي شقه السادات دون أي تعديل، وهو ما وصفه الرئيس مبارك مرة بقوله: «إنه يكره سياسة الصدمات الكهربائية»، وكان هذا يعني في الحقيقة عدم القيام بأي تعديل علي الإطلاق، علي ما هو قائم. شخصية الرئيس ملائمة تمامًا، ولكننا نعرف جيدًا أن شخصية الرئيس لم تكن قط هي العامل الحاسم فيما طرأ علي مصر من تطورات، بل كان العامل الحاسم ما يطرأ من تغيرات علي علاقة مصر بالقوي الخارجية، وهذه كانت يحددها في الأساس ما يطرأ علي العالم الخارجي وعلي العلاقات الدولية من تغيرات.
* * *
كان أنور السادات قد وضع مصر علي طريق التبعية الكاملة للولايات المتحدة في ١٩٧٢، عندما قام بطرد السوفيت من مصر وبدأ يتلقي توجيهات كيسنجر والإدارة الأمريكية فيما يفعله في الخارج والداخل، وإزاء إسرائيل والعرب، لم يكن الوضع يختلف في الظاهر عن خضوع الحكومات المصرية لتوجيهات الإدارة الإنجليزية ورغباتها قبل ١٩٥٢، ولكن كان هناك فارق كبير بين الحالين، فيما يتعلق بموضوع الفساد الذي نحن بصدده الآن.
كانت طلبات الإنجليز في النصف الأول من القرن العشرين بسيطة للغاية إذا قورنت بطلبات الأمريكيين في النصف الثاني، والأهم من ذلك أن درجة مساس هذه الطلبات والرغبات بمبدأ سيادة القانون ونزاهة الحكم كانت مختلفة تماما في ظل السيطرة الإنجليزية عنها في ظل السيطرة الأمريكية.
كان الإنجليز يريدون في نهاية الأمر، قطنا مصريا رخيصا، وفتح السوق المصرية لبعض السلع البسيطة كالمنسوجات البريطانية، واستخدام موقع مصر وقناة السويس عند اللزوم، لخدمة الأهداف العسكرية البريطانية.
كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الأهداف في ظل درجة معقولة من النزاهة في إدارة الحكم في مصر، ومن احترام القانون، وقدر بسيط من الفساد قارن هذا بما كان يريده الأمريكيون من مصر ابتداء من أوائل السبعينيات: تسويق سلع لا نهاية لها من الأسلحة إلي الكوكاكولا، وبيع شركة بعد أخري وبنك بعد آخر للشركات الأمريكية أو متعددة الجنسيات، وترويض مصر ترويضا تاما يضمن الخضوع للأهداف الإسرائيلية في مصر والعالم العربي، وتكريس الاعتماد علي ما يسمي بالمعونة الأمريكية لضمان استمرار هذا الخضوع وتحقيق كل هذه الأهداف.
كان كل هذا يتطلب نظاما سياسيا مختلفا جدا عما كان سائرا قبل الثورة، لم يكن يتطلب فقط استمرار السير في الطريق الذي شقه السادات منذ بداية التبعية الكاملة للأمريكيين، بل استخدام نوع جديد من المصريين كوزراء ورؤساء الوزراء، يفتقدون أبسط صفات السياسي الملتزم، ولا يؤمنون بمبدأ سياسي أو اقتصادي أكثر مما يؤمنون بغيره، وتنحصر اهتماماتهم فيما يمكن أن يحققوه من مكاسب لأنفسهم، وهذا هو بالضبط أكثر أنواع الحكم ملاءمة لنمو الفساد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج

























