الردّة الكبرى الحلقة الاولى

كتبهاالتيار البديل ، في 1 مارس 2008 الساعة: 18:19 م

الردّة الكبرى

(ردّة عن منهج الدين العاقل)

من كتاب تيار بديل

مجموعة حلقات يقدمها لكم التيار البديل 

إعداد / أحمد البارودى

إذا كان المسلمون فرقوا بين غزوتي بدر الكبرى والصغرى بواقع الخطر المترتب على كلّ، فنحن اليوم نفرّق بين ردّتين قد لا تشتملان على كفر بالضرورة، لكنّ كلاً منهما تشتمل على ما يسوّغ للعقلاء نعت أصحابها بالاسم الأسوأ (مرتدين) لأنّهم فعلوا الفعل الأكثر سوءاً، وعلى ذات القاعدة البدرية نفرّق بين الخطرين المترتّبين على كلّ من الردّتين، فما بين مانعي الزكاة وبين مانعي اعتبار العقل فرق في التأثير والخطر يحتّم نعت الأخيرة بالكبرى؛ لأنّ ردّة مانعي الزكاة لم تزد على كونها تهديداً –وإن كان خطراً جدّاً- لسيادة الدولة، فيما جاوزت الثانية لتعمد إلى تقويض الدين في ظلال إطار خفيّ أسوأ ما فيه أنّه متستّر بلباس الورع والتقوى؟.

عن إراحة العقل..

حين تمعن النظر في الحياة الإنسانية بعمومها تستطيع أن ترى الطائفة العظمى من أبناء المجتمع الإنساني -وهم من يطلق عليهم العوام- تميل ناحية إراحة ذهنها. وهو وضع عام في سائر الجماعات البشريّة، وإن تفاوتت الطوائف البشريّة في درجة المزاج الذي به تميل به العامّة عندها إلى هذه الناحية من التفكير.

ما تحكم به قواطع القراءة يؤكد أنّ إراحة العقل مادّة جذب قوي لكلّ العامّة، ولدعم الساسة كلّ الساسة، في مختلف البيئات والعصور؟ وهي محلّ نقد كلّ ألوان الإصلاح الديني والمدني على حدّ سواء، والتراث الإسلامي ممتلئ بالدلالة على تسفيه هذا المزاج والنعي على أصحابه، {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} سورة الزخرف، آية: (54).. هنا ينبغي أن نذكّر بقول "أبي العلاء المعرى" الذي يشير إلى أن إراحة العقل طبيعة مفطورة في الناس، فإذا أنت قسرتهم على خلاف ذلك فإنّهم سرعان ما سيفكون القيد ويرتدون إلى ما جُبلوا عليه، يقول المعرّي: "ولكن أين من يصبر على أحكام العقل، أو يصقل فهمه أبلغ صقل؟! هيهات! عدم ذلك في من تطلع علية الشمس.. إلا أن يشذ رجل في الأمم".

الراصد لا يعييه أن يلحظ ذلك الارتباط القوي بين منهج إراحة العقل وبين الوجدان الجمعي للعوام فالجماهير منذ أزل التاريخ المعروف مفتونة بالغيب دون الشهادة، بالباطن دون الظاهر بالخفاء دون العلن، بالإضمار والرمز دون الإفصاح وصراحة التعبير، فإذا ما وجَدَتْ المستور المحجوب مالت بدورها معه وهي في حالة من السكر والنّشوة غريبتين، خصوصاً عوامّ الشرق الذين يسعدهم ويرضيهم أن يكون وراء الظواهر الثقيلة على الروح حقائق تخفى على الأبصار، كما تمتعهم أحاديث الخوارق بما لا تقترب منه ولا تلتقي معه أحاديث الضوابط. فالجماهير الشرقيّة تجتاحها بيسر موجات اللاعقلانية الهيمانية، وهي تنفر في عمومها ممن يحاول إزالتها وتميل مع من يزيدها في نفسها رسوخاً، فالجماهير الشرقية دراويش بالوراثة، ولا عجب أن تروج فيهم الخرافات والكرامات والخوارق بأسرع من رؤية البرق إذا لمع.. فالناس في هذه المنطقة من الأرض وعلى امتداد الزمن تقريبا تهولهم الفجوة الفاصلة بين ظاهر العالم وباطنه، بين المخلوقات وخالقها، ويتشوفون إلى طريق يعبرون عليه تلك الفجوة مستدبرين الظاهر، ومقبلين على الخفي الباطن. مَيْلٌ ملغز يشد الناس إلى الغيب المجهول يريدون أن يصلوا إليه في خفائه كارهين أن يعوق فكرهم ثِقَلُ القوانين؟

العقل العربي..

حين يذكر الشرق والغرب ينبغي أن يترسّخ في مخيلتنا أنّنا بالأصالة "عرب" أي أنّنا وسط من كلّ وجه أردت.. فإذا ذكرت الجغرافيا فنحن وسط ما بين الأمم، وإن ذكرت الطبع والميل فذلك، وإذا ذكرت العقلانية، فهي ما أريد.. فنحن أصحاب وجدان كما عامّة الشرق لكنّ وجداننا يحكمه العقل، وراجع إذا شئت علامة وجداننا وهو الشعر، سترى حكيماً يروّح عن ذهنه باللفظ الطرِب، ونحن عقلانيون كما الغربيين، لكنّ عقلانيتنا منظمة غير منطلقة في الفراغ.

اتفق العرب مع اليونان على أنّ صورة الكمال الإنساني تتمثّل في "العقل"، و"العقل" عندهم جميعاً هو ما يقابل "الهوى"، أي: ما لا يتعدد حكمه بتعدد الأشخاص أو بتعدد النزوات عند الشخص الواحد. مثال ذلك قولهم: "نصف العشرة خمسة"، فهذه مسألة لا يمكن تعدد الإجابة عليها بتعدد العقلاء أو بتعدد النزوات عند عاقل واحد. أمّا "الهوى" فيتعدد حكمه بتعدد الأشخاص، وبتعدد الأمزجة عند الشخص الواحد، ولا يؤدي نقيضه إلى الإحالة، مثال ذلك قولهم: "الشروق أجمل من الغروب".

يقول: د. زكى نجيب محمود :"واني لأزعم هاهنا بان أبرز ما كان يميز العربي القديم في وقفته تجاه العالم من حوله هو انه نظر إليه نظرة "عقلية"". وينقل عن "محمد إقبال" قوله: كان لابد وان يكون "محمد" (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء؛ لأنه جاء يدعو إلى تحكيم "العقل" فيما يعرض للناس من مشكلات. وما دمت قد ركنت إلى العقل، فلم تعد بحاجة إلى هداية سوى ما يمليه عليك من أحكام". كما ينقل عن "الرازي" في "الطب الروحي" أو "طب النفوس" أن نموذج الإنسان هو من كان محكوما بعقله، والعلة في هذا: أن العقل أجلب للمنافع الثابتة مأمونة العاقبة لأنه يزن الأفعال قبل ظهورها للحس، ولا يتبع الشهوات المنقلبة إلى همّ وغمّ، ولا الغضب المؤدى لمثلهما. كما ينقل عن الجاحظ قوله: أليس العقل هو وكيل الله عند الإنسان؟ وقوله: "وإنما سمي العقل عقلا لأنه يلزم اللسان ويَخْطِمُه عن أن يمضى.. في سبيل الجهل والمضرة كما يخطم العقال البعير".

أخطر ما قدّمه العرب للحضارة الإنسانية في ميدان التفكير والفلسفة والعقل أنّ مفكّريهم زيادة على كونهم -كما يونان- قد قدّموا العقل فإنهم لا يتصورون إمكانية التوقف على حكمة العقل هكذا دونما أن تمتد هذه الحكمة إلى فعل يؤدى، كما وهو الأخطر أنّهم لا ينطلقون وراء العقل هكذا لأجل الانطلاق إنّما هم عمليّون يستخدمون العقل تنظيراً وتطبيقاً فيما يعود بالنفع الظاهر فتراهم تمتلئ كتب الفقه والآداب عندهم بإنكار الانشغال بما لا ينفع؟

إذن لا يكون العلم علما عند العربي إلا إذا طلب منفعة وتأسس عليه عمل نافع. -يقول د. زكى نجيب محمود: "وفى ظني أن هذه الإضافة جاءت لتميز المفكر العربي عن سلفه اليوناني"- ممّا يستتبع الالتفات إلى ما هو أخطر، وأهم، وهو أنّ العربيّ لا يتصوّر أخلاقيّةً للضمير لا تتنزل على تحسين للأفعال فلا يتصوّر عند العربي أن تصفو النية ثم يقف الإنسان بهذا الصفاء عند هذا الحد بل المطلوب نقل النية إلى فعل يجسّد أخلاقية هذه النية، فيتحوّل الفرد من نيته الصالحة التي تجعله فردا متميزاً في فرديته، إلى فاعل إيجابي صالح ممّا يجعل منه مواطنا نافعاً في جماعته (وطنه).

وقد وردت الآثار منبّهة إلى أهميّة ونفعيّة كون الفرد صالحاً نافعاً لجماعته، ففي الصحيح عَنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَىْءٌ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِراً فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ " كما ورد في الآثار أنّ الله أمر بإهلاك قرية فتعجّب المَلَك الصادر إليه الأمر كيف ذلك وفيها عبد صالح؟ فقال الله له: به فابدأ؛ إنّه لم يتمعّر وجهه فيّ قط. فقد روى سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال: بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط([1]).

وعند أبي داود([2]) أنّ أَبُا بَكْرٍ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنّا سمعنا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ». وفي رواية: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ».




([1])القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 6/237.

([2]) أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البديل الثائر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر