هل نابوليون هو الذي اخترع فكرة «الشرق الأوسط»؟
كتبهاالتيار البديل ، في 17 أكتوبر 2007 الساعة: 22:21 م
هل نابوليون هو الذي اخترع فكرة «الشرق الأوسط»؟
روجر أوين الحياة - 17/10/07//
أصدر خوان كول، أحد أساتذة جامعة ميتشيغان الأميركية وصاحب أحد المواقع المعروفة على الانترنت (بلوغ) التي تتناول العراق المعاصر، كتاباً جديداً حمل في بادئ الأمر عنوان «مصر نابوليون: اختراع الشرق الأوسط». لكن قبل صدور الكتاب بأيام، عدّل كول العنوان الى «مصر نابليون، غزو الشرق الاوسط». وفي الحقيقة، لكل من هذين العنوانين أهميته لأن كليهما يدل على أن الأحداث المعاصرة كانت حاضرة في ذهن الكاتب أثناء العمل على هذا المرجع التاريخي.
يقدم الكتاب سرداً حياً عن الأشهر الثمانية الأولى لاجتياح فرنسا لمصر في صيف 1798، الذي تلته محاولات دامية لاحتلال البلاد والسيطرة عليها باللجوء إلى القوة العسكرية. وخلافاً لمعظم المؤلفات التاريخية السابقة التي سلطت الضوء على وجود العديد من العلماء وخبراء الآثار الفرنسيين بين صفوف ما يوصف عادةً ببعثات تقوم بمهمات حضارية، فإن الهدف من كتاب كول هو إظهار الاحتلال الفرنسي على أنه كان بمثابة سلسلة من المواجهات والمعارك والمناوشات والكمائن بين الفرنسيين وشعب عجز هؤلاء عن فهمه وتحديد مكوناته.
وكما هي الحال بالنسبة إلى الحلفاء الأميركيين والبريطانيين في العراق، اجتاح نابوليون مصر بواسطة فرق عسكرية لم يسمح لها عددها القليل بضبط الأراضي التي كان قد احتلها جيشه، مما أجبر هذه الفرق على خوض معارك متواصلة لإعادة اجتياح قرى كانت تعتقد انها اصبحت آمنة. وكانت النتيجة الحتمية لهذا الواقع حلقة لامتناهية من عمليات الثأر العنيفة، بحيث كانت تقابل الهجمات ضدَ الجنود الفرنسيين من كل حدب وصوب بحرق القرى والقتل العشوائي للعديد من سكانها. وبحسب شهادة نقلها كول عن يوميات أحد الضباط، كان الهدف من ذلك جعل الفرنسيين والمصريين ينتهجون الأسلوب الوحشي نفسه إزاء بعضهم بعضاً.
لم تتسم كل المعارك بهذا القدر من العنف الدموي، إلا أنها كانت تتميز بسوء الفهم والارتباك اللذين لا مفر منهما في مثل هذه المواجهات. ففي حين كان نابوليون نفسه يحاول تحويل علماء القاهرة إلى ما شابه أفراد الطبقة الوسطى في الادارة السياسية في باريس، كان الضباط الفرنسيون يبحثون عن نساء لمشاركتهم في احتفالات التحرير التي كانوا ينظمونها. ومن جهة أخرى، كانت هناك أيضاً محاولات للتواصل مع الطرف الآخر والانفتاح عليه، واعتناق عاداته من حيث المأكل والتقاليد الاجتماعية. ويعود الفضل لكول في عدم المبالغة في مقارنة هذه الحقبة مع محطات آخرى، غير أن طيف العراق المعاصر لا يغيب عن الكتاب.
ها قد تطرقنا إلى فكرة «الاجتياح»، لكن ماذا عن مفهوم «اختراع الشرق الاوسط الذي طرحه كول؟ كما هو معلوم، لم يكن نابوليون بونابرت هو أول من استخدم المصطلح، بل أتى ذكر هذه العبارة للمرة الأولى بعد ما يقارب القرن على لسان الخبير الاستراتيجي في الشؤون البحرية الكابتن الأميركي ألفريد ثاير ماهان. فقد كان يبحث عن عبارة للدلالة على المنطقة التي تشمل إيران وأفغانستان وباكستان، فاستخدم مصطلح «الشرق الأوسط» للإشارة إلى المنطقة الواقعة بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى بحدودهما آنذاك. وكما هو معلوم أيضاً، وسّع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل خلال الحرب العالمية الثانية حدود منطقة الشرق الأوسط باتجاه الغرب لتشمل الجهة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، جاعلاً بذلك القاهرة مقر قيادة التحالف لمنطقة الشرق الأوسط.
ويتضح مما سبق أن عبارة «الشرق الأوسط» كانت ولا تزال في المقام الأول مفهوماً جيواستراتيجياً عسكرياً ابتكر للدلالة على منطقة طالما رسمت حدودها انطلاقاً من الحاجة إلى اجتياح بلد ما أو الدفاع عن بلد آخر. وهنا يدخل نابوليون إلى الساحة. فهو لم ير في اجتياح مصر وسيلة جيدة لتهديد القوة البحرية البريطانية حتى الهند فحسب، بل أدرك أيضاً أن مثل هذه الخطوة ستكون لها انعكاسات عسكرية من شأنها الامتداد إلى عاصمة الإمبراطورية العثمانية، إسطنبول. وهو بالفعل ما حصل، إذ سرعان ما شعر العثمانيون بالخطر حتى قبل أن يأمر نابوليون جيشه بمهاجمة مدينة عكا على الساحل السوري التي كانت من أبرز المواقع التي تحصن فيها العثمانيون حينها.
لكن مع الوقت، كان من الطبيعي أن تتغير بواعث قلق القوى العظمى إزاء القيمة الاستراتيجية للشرق الأوسط. ففي بعض الفترات، كانت مخاوف من دخول البواخر الحربية الروسية إلى البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البوسفور. وفي فترات أخرى، تمحورت المخاوف حول كيفية حماية قناة السويس، وبعدها، حول المسائل المطروحة بسبب النفط أو اسرائيل أو إيران. ونظراً الى هذا الواقع، من المنطقي القول إن ما من منطقة خارج أوروبا وأميركا الشمالية أثارت مشاغل قادة العالم، وشهدت تدخلاً أجنبياً بهذا الحجم، وكانت مسرحاً لعمليات اجتياح واحتلال على يد سلسلة من الجيوش الأوروبية والأميركية كالشرق الأوسط.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، من الضروري النظر عن كثب إلى الشعوب التي عاشت في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم. والصورة قاتمة هنا أيضاً. وبالفعل، تشير الوقائع إلى أنه كلما زادت أهمية بلد أو منطقة ما من المنظور العسكري الغربي، كلما تمادى الغرب في التقليل من شأن سكان هذا البلد أو هذه المنطقة عن طريق طرح أسئلة في منتهى السطحية مثل ماذا سيكون ردهم أو - وهو السؤال الأهم - هل يمكن الثقة بهم؟ ولم يساعد انتماء معظم هؤلاء السكان إلى دين مختلف على تلطيف الأجواء. وأتى ميلهم إلى مقاومة الإمبريالية وغيرها من الصيغ المفروضة من الخارج ليزيد الأمور تعقيداً.
لكن ذلك لا يعني أنه يجب غض النظر عن الاجتياحات التي شنتها شعوب الشرق الأوسط، ولا عن الصورة المبسطة التي تكونها عن أعدائها. فبعد فترة قليلة من خروج الجيش الفرنسي من مصر على يد البريطانيين والعثمانيين، أرسل محمد علي حاكم مصر الجديد جيشه إلى السودان والجزيرة العربية وما اصبح يعرف لاحقاً بسورية ولبنان وفلسطين. وفي مرحلة لاحقة، أقدمت سورية والعراق على احتلال بلدان عربية مجاورة، وحاولت مصر عبثاً طوال خمس سنوات السيطرة على الجزء الشمالي من اليمن. كذلك، يميل العرب والاسرائيليون اليوم إلى تصوير كل منهما بطريقة أقل ما يقال عنها إنها تزيد من التركيز على اهميته. والأمر ذاته ينطبق على العرب والإيرانيين، وهو ما كان قائماً لفترة طويلة بين العرب والأتراك.
لكن هؤلاء لم يتّبعوا نهج نابوليون في كل شيء. إذ لم يقتصر طموح هذا الأخير على احتلال مصر فحسب، بل أراد أيضاً منحها حكومة مختلفة جذرياً عن الحكومات السابقة كافة، وتاريخاً فحواه فرنسي أكثر مما هو مصري. وهي خطوة لم يجرؤ حتى الأميركيون والبريطانيون عليها في العراق.
اكاديمي بريطاني - جامعة هارفارد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
دوّن الإدراج

























