د. إيمان يحي يكتب عن مبدعي
كتبهاالتيار البديل ، في 15 أكتوبر 2007 الساعة: 19:19 م
منذ أشهر قليلة ترددت الأنباء عن شروع جماعة ‘’الإخوان المسلمين’’ في صياغة برنامج لحزب سياسي، يعتزمون القيام بتأسيسه في مصر. استبشر الكثيرون بهذه التسريبات، فلقد كان حلماً لدى المهتمين بالشأن العام في مصر، أن يدرك الإخوان أهمية وضرورة وضع برنامج سياسي لهم. برنامج يحاسبون عليه، ويتم تقييم أدائهم وفقاً لما يتحقق من أهداف. ومنذ شهر تقريباً وزعت جماعة الإخوان مشروع برنامجها على خمسين شخصية مصرية، لاستطلاع رأيهم فيه. وبينما كانت ‘’النخبة’’ تحس بالانتشاء للتطور الذي حدث على الجماعة بقبولها ‘’التعامل السياسي’’ على اساس ‘’برنامج’’ محدد، وقعت المفاجأة كالصاعقة على رؤوسهم.
في السنوات الماضية ظهرت مفردات جديدة في الخطاب الإخواني مثل ‘’المواطنة’’ و’’الدولة المدنية’’ و’’الديمقراطية’’. كانت تلك المفردات استجابة لمناقشات ومحاورات، واجه فيها ‘’الإخوان’’ شكوك المجتمع وقواه السياسية تجاه تاريخهم ومواقفهم من محمل الحركة الوطنية المصرية ومن الديمقراطية. كانت شعارات ‘’المواطنة’’ و’’الدولة المدنية’’ و’’الديمقراطية’’ تلوكها ألسنة قادة الجماعة المبرزين في كل مناسبة سياسية، حتى أدرك الكثيرون أن هناك تغيراً وتقدماً قد حدث في رؤية الجماعة السياسية. صحيح أن المواقف العملية كانت تنبئ بتناقض ما بين شعارات القادة وتصرفات القواعد والكوادر الوسيطة، إلا أن مجرد الإشارة إلى ‘’الدولة المدنية’’ كان كفيلاً برسم الابتسامة على وجوه أرهقها العنت الإخواني تجاه مشروع ‘’الدولة الوطنية’’.
جاء مشروع البرنامج لحزب ‘’الإخوان’’ صادماً للغاية. بينما تصدر شعارا ‘’الدولة المدنية’’ و’’المواطنة’’ البرنامج، فوجئ الجميع باختراع إخواني عجيب يؤسس لتكوين هيئة لكبار العلماء، يكون منوطاً بها مراجعة القوانين التي يصدرها مجلس النواب وقرارات رئيس الجمهورية. هيئة ‘’الوصاية’’ الدينية، يكون لها الحق في إلغاء ما تراه غير مطابق للشريعة من قرارات المجلس النيابي ورئاسة الجمهورية. عن أي ‘’دولة مدنية’’ يتحدث الإخوان المسلمون؟، وإذا لم يكن ما يصبون إليه هو ‘’الدولة الدينية’’، فماذا يكون؟
فكرة هيئة الوصاية أو هيئة كبار العلماء ورجال الدين أو هيئة مصلحة النظام على الطريقة الإيرانية، تجعل البعض يحتكر الدين ويتحدث بلسان الله، والأنكى من ذلك تعطيه الحق في الحكم باسمه. إنه الزج بالمطلق في عالم السياسة النسبي. الديمقراطية تعني حكم الشعب، وأغلبية الشعب لن تتفق على ضلالة. ‘’الدولة المدنية’’ لا تعني تحكم رجال الدين في توجهاتها السياسية، لكن ‘’الإخوان’’ يمازحوننا وكأن ‘’الدولة المدنية’’ يحكم فيها من يرتدي الملابس المدنية وليست العسكرية، في خلط واضح ومحاولة لخداع الرأي العام. ‘’الدولة المدنية’’ هي نقيض ‘’الدولة الدينية’’ التي لم يخرج الإخوان بعد من عباءتها.
لقد أعطى ‘’التصور الإخواني’’ للدولة المبررات المنطقية لهم أن يطرحوا في برنامجهم تمييزاً واضحاً ضد المخالفين في الدين وضد المرأة. لقد قصروا منصب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء في مشروعهم على المسلمين والذكور!. برروا ذلك بأن منصب رئيس الجمهورية له واجبات دينية، لا يقوم بها إلا ذكر مسلم. أي دولة مدنية تلك التي لرئيسها واجبات دينية؟. بل أي دولة ديمقراطية معاصرة في عالمنا يقوم رئيسها بواجبات دينية ؟. لم نر رئيس جمهورية يؤم المصلين في المساجد، ولم نسمع بحاكم يتصدر المشهد ليصدر الفتاوى الدينية. ما أتى به الإخوان في برنامجهم، هو أعجوبة الأعاجيب في عصر لا يعترف بالتفرقة على أساس الدين أو الجنس. المواطنة تعني المساواه، كل المساواه.. في الحقوق والواجبات. منذ أعوام طويلة أشار المفكرون الإسلاميون إلى أن العصر قد تخطى ما تعنيه ‘’الولاية الكبرى’’ في الشريعة الإسلامية، وأن منصب رئاسة الجمهورية والوزارة هي من مناصب ولايات ‘’التكليف والتنفيذ’’. تعقدت الحياة، ولم يعد بمقدور فرد بمفرده أن يتخذ قراراً فردياً في مجالات الحكم دون تشاور وأخذ برأي المختصين في كل مجال. كانت تلك الآراء التي قال بها المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا وغيرهما من أساطين الفكر الإسلامي المعاصر قد وقرت في نفوس أصحاب الدعوة الإسلامية، إلا أن ‘’الإخوان’’ كان لهم رأيهم الآخر الذي رجع بنا إلى الوراء.
تكتنف بقية المشروع السياسي للإخوان ‘’ضبابية’’ كثيفة في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن الموضوعية تأبى بنا إلا أن نشير إلى تقدم هنا أو هناك. هم لا يقفون ضد القطاع العام وملكية الدولة لبعض المشروعات الاقتصادية، كما كانوا في السابق. تذكرت أنه في السبعينات من القرن الماضي، وبينما كانت مصر تنتفض في يناير/كانون الثاني 1977 ضد غلاء الاسعار، كان الإخوان ومناصروهم يوزعون بياناً في الجامعة عقب مؤتمر حضره رموز قادتهم، ومنهم زينب الغزالي، ضد الحقوق الانسانية الاجتماعية للشعب المصري. كان البيان يقول بالحرف الواحد ‘’إن مبدأ مجانية التعليم وتعيين الخريجين هو من المبادئ الشيوعية الهدامة’’.
لا شك أن تقدماً قد حدث لدى بعض منظريهم في هذا المجال. لقد أتت ظروف الاقتصاد الحر، الذي طالما طالبوا به، حتى انكشفت كل سوءاته. الفقر والبطالة والعوز، هم الذين أجبروهم على أن يواربوا الباب أمام تدخل الدولة في مجالات الاقتصاد والتعليم. هل يكون ذلك تغيراً حقيقياً في نظرتهم الاجتماعية؟.. المستقبل وحده سيحكم على ذلك.
أخيراً، يبدو أن جماعة ‘’الإخوان المسلمين’’ ببرنامجها الأخير قد تقدمت خطوة إلى الأمام، بينما تلتها بمائة خطوة إلى الخلف. ويبدو أيضاً أن التجديد قد أصبح عصياً على قياداتها. لقد انحازت لنموذج ‘’الإسلام السياسي الإيراني’’ مطعمة إياه ببعض الملامح ‘’الطالبانية’’، بينما استبعدت ‘’النموذج التركي’’ وما يمثله من مستقبل متطور لتيارات الإسلام السياسي. تُرى ما الذي أجبر الإخوان على التراجع؟ هل هو الخوف من فقدان ثقة قواعد الجماعة التي تربت على ‘’الأيديولوجية القطبية’’ وأفكار ‘’أبو الأعلى المورودي’’؟ أم إنه الرياء الذي انكشف عندما جاء أوان المصارحة؟. الإجابة ليست مهمة، لأننا أمام نكوص وتخلف عن قيم المساواة والمواطنة والدولة المدنية لا يمكن أن يبرره أي عذر أو مبرر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
دوّن الإدراج

























