الدكتور إيمان يحي يكتب عن

كتبهاالتيار البديل ، في 11 سبتمبر 2007 الساعة: 19:17 م

تيار بديل
إيمان يحيى
 

جريدة الوقت البحرينية

العدد 560 - الاثنين 21 شعبان 1428 هـ - 3 سبتمبر 2007

من نكد الدنيا على عالمنا العربي والإسلامي أن الأغلب الأعم من تيارات ‘’الإسلام السياسي’’ في مجتمعاتنا مازال أسير اللاعقلانية وأحادية التفكير ونفي الآخر. إنها مأساة النظر إلى الخلف، بينما حركة التاريخ تندفع إلى الأمام، فتكون النتيجة إما صدام مروع أو انتكاسة دورية نتلقاها كل حين.
لعل محاولة إنشاء ‘’تيار بديل’’، هي إحدى المحاولات القليلة في تاريخنا المعاصر لإبراز الوجه الإنساني المشرق الحقيقي للإسلام في الحقل السياسي والاجتماعي. محاولة من ضمن محاولات قليلة، كان من بينها الحركة الإسلامية التقدمية التونسية ومجلتها 14/21 واجتهادات حسن الترابي الأخير وتجربة حزب الله في لبنان وانعطافة حزب العدالة والتنمية التركي الحاسمة نحو ‘’العلمانية المؤمنة’’.
كان صدور كتاب تيار بديل منذ أشهر قليلة في القاهرة بمثابة إعلان عن اتجاه ديمقراطي جديد برز من شباب جماعة الإخوان المسلمين وأعلن عن اختلافه عن الجماعة وتقديمه بديل فكري وسياسي لها.
تبدو محاولة ‘’تيار بديل’’ لتأصيل الهوية والاتصال بتراث الأفغاني وعبده مختلفة كل الاختلاف عن محاولات مصرية سبقتها. لقد شهدت مصر في الثمانينات من القرن السابق محاولتين بهذا الصدد. كان ‘’التراثيون الجدد’’ أو ‘’الأصوليون الجدد’’ كجماعة من المفكرين والمثقفين اليساريين الذين قبلوا الإسلام كهوية حضارية ومرجعية فكرية أولى تلك المحاولات. ثم جاءت تجربة الكاتب والمفكر عادل حسين على رأس حزب العمل الاشتراكي الذي تحول إلى المرجعية الإسلامية بمثابة المحاولة الثانية التي خاضت إلى جانب غمار الطرح السياسي والفكري معركة بناء التنظيم. لكن المحاولتين باءتا بالفشل، لماذا؟ ببساطة لأنهما قد شغلتهما في المقام الأول قضية إبراز التماثل والتشابه مع الطرح ‘’الإخواني’’، ثم رويداً رويداً انساقتا إلى تيار التبرير السياسي والفكري لتيار الإخوان المسلمين. وبدلاً من التعامل باستقلالية مع الجماعة، أصبح ‘’الإسلاميون الجدد’’ ملحقين بها ومجرد ديكور تجميلي لها. هكذا بدأت المحاولتان من مواقع موازية وانتهيتا بالجلوس في العربة الأخيرة من قطار ‘’الإخوان المسلمين’’.
محاولة ‘’تيار بديل’’ الأخير تنطلق من موقع مناقض. هي تأصيل للهوية الحضارية والثقافية العربية الإسلامية، لكنها تطرح رؤية بديلة ومناقضة لتيار ‘’الإخوان’’ وما يمثله من انقطاع مع حركة الإحياء الديني والنهضة الوطنية التي مثلهما ‘’الأفغاني’’ و’’عبده’’. إنها تعمل في علاقتها مع تيار الإخوان مبدأ ‘’الوحدة والصراع’’ بينما وقع’’التراثيون الجدد’’ وحزب ‘’العمل’’ في فخ ‘’الوحدة’’ و’’الذيلية’’ فاقتصر دورهما على القيام بدور الحلفاء التابعين للجماعة. من هنا تبرز أهمية ‘’تيار بديل’’ ككتاب وتأصيل نظري من جهة وكجماعة تسعى للتبلور من جهة أخرى.
يؤكد ‘’تيار بديل’’ لمؤلفه الدكتور علي عبدالحفيظ، وهو أستاذ جامعي على أن ‘’آباء النهضة’’ في شرقنا العربي قد رجحوا قيم الثقافة الديمقراطية واعتبروها متلاقية مع قيم الإسلام السياسية. يضعون رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي إلى جانب الأفغاني وعبده والكواكبي كرواد للنهضة. ينحاز الكاتب على عبدالحفيظ إلى إضفاء سمة ‘’الدين الثائر المحرر’’ على الإسلام في مقابل طرحه كدين للاستعباد والإذلال من قبل فقهاء السلطان، ويطرح مع أصحابه إنشاء ‘’بديل سياسي’’ يتمثل في جماعة تسعى للإصلاح السياسي والوطني تجمع الناشطين والمفكرين في إطار ‘’حزب وطني حر’’ يندمج فيه أعضاء جماعة الإخوان لينهوا عزلتهم التي جعلت منهم جماعة مغلقة و’’دولة داخل دولة’’.
يفضح الكتاب فكرة الاستعلاء لجماعة الإخوان التي دفعت مرشدهم بأن يضمن مبادرته للإصلاح السياسي مهمة أناطها بجماعته، ألا وهي ‘’تربية الشعب’’.. هكذا مرة واحدة، وكأنهم من طينة أخرى. إنها الفكرة التي فضحها الدكتور عبدالحفيظ التي تقدم ‘’الإسلام’’ مناقضاً للحضارة الإنسانية وشبيهة بفكرة ‘’صهيونية مسلمة’’ ترفع الشعب المسلم فوق كل الشعوب وتضع ‘’جماعة الإخوان’’ وكأنهم ‘’شعب الله المختار’’. يقدم الكتاب ضمن محتوياته ‘’الوثيقة’’ التي قدمها جماعة الشباب الذين أسسوا ‘’التيار البديل’’. تلك الوثيقة تم تقديمها لقيادة جماعة الإخوان المسلمين في صيف ,2005 وقد عرضت في نحو عشرين صفحة مطالب وطروحات كان عدة أهمها أن تتوقف ‘’الجماعة’’ عن دعوى تمثيل الهوية، إذ أن الهوية حس جامع لا تنبغي مصادرته من قبل فريق من دون آخر. لا يمكن أن يتأسس إصلاح سياسي على قاعدة احتكار فريق من المصريين إسلاميين أو غيرهم، مسلمين أو مسيحيين، حق احتكار الهوية العربية الإسلامية. تؤكد الوثيقة أيضاً على أن التنظير على أساس التراث القديم فحسب قاصر وناقص لأنه لا يمكن الانقطاع عن تيار الحضارة الإنسانية الحديثة.
الأخطر من ذلك أن الوثيقة تتمرد على تقديس جماعة الإخوان لمؤسسها حسن البنا وجعله أيقونة ومرجعية كبرى للعمل السياسي الإسلامي. يطرح أصحاب ‘’التيار البديل’’ إعادة الاعتبار إلى الآباء المؤسسين النهضة، ويشككون في استراتيجية الإخوان بمزاوجة العمل السياسي بالعمل الدعوي والاجتماعي، ويخيرونهم بينهما. وتبدو الدعوة واضحة إلى إنشاء حزب سياسي يضم من يرغب في الإصلاح من كافة المنابع الفكرية والعقائد الدينية، يندمج فيه الراغبون من الإخوان في العمل السياسي.
ولعل الفكرة المحورية في هذا الكتاب هي الانتصار للدولة المدنية وليست الدولة الدينية. إنه يطرح ‘’العقلانية’’ و’’الديمقراطية’’ كبديلين لمصطلح ‘’العلمانية’’ الخارج عن الإطار التاريخي الإسلامي، وفي الوقت فسه كنقيضين لثيوقراطية الإخوان. إن الجماعة الإسلامية بمفهوم ‘’التيار البديل’’ هي قرينة بإرادة الشعب وتضم العقائد الدينية والأمزجة السياسية كافة لأن الإسلام هنا يمثل حضارة وثقافة وليس مجرد انغلاق على دين.
رفضت قيادة الإخوان عريضة هؤلاء الشباب، فلم يجدوا بداً من تأسيس تيار جديد واعد، كانت إرهاصاته الأولى هذا الكتاب القنبلة. ‘’تيار بديل’’ ليس مجرد كتاب عابر، تمر على سطوره نظرات عيون مرهقة، بل إنه نواة مشروع فكري يؤسس حركة إسلامية جامعة تقف ضد الجهل والتعصب والتدين الشكلي لتنتصر للعقلانية والديمقراطية والعدل الاجتماعي وللدين المرتبط بالضمير.

* كاتب مصري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البديل الثائر | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر