رؤيتنا لرعاية الدولة للحالة الدينية

كتبهاالتيار البديل ، في 6 أغسطس 2007 الساعة: 13:02 م

رؤيتنا لرعاية الدولة للحالة الدينية

الحالة الدينية التي نقصدها هنا هي مسائل الاعتقاد وأداء الشعائر العبادية، وإدارة المؤسسات الدينية من دون أن يكون لذلك أدنى أثر سياسي

والدين الإسلامي المقصود هنا هو المؤسسة الدينية وحالة الشعائر التي لا ترتبط بالهوية القومية السياسية والفرق: هو أنّ الهوية القومية هي شأن سياسي وقانوني لا علاقة له بالحالة الدينية التي يشملها هذا التصوّر لإدارة الحالة الدينية للمواطنين المصريين، ولا تأبه الدولة أو بالأحرى لا يعنيها أن يكون هناك ثمّة علاقة بين تحقيقها للهوية القومية ذات الطابع الإسلامي وبين كون هناك مواطنين مسلمي العقيدة عندها، إذ التمايز بالإسلام الحضاري لا يكون بين المواطنين وبعضهم، وإنّما بين الدولة وغيرها من الدول. فلا تمييز بين مواطن ومواطن أمام القانون، ولا في التطبيق السياسي مع أنّهما ملتزمان بالهوية الحضارية القومية..

حريّة العقيدة أمر مكفول في إطار من احترام الدين العام وسلامته. والمسيحية أسبق في مصر من الإسلام، فلها وأهلها كامل الاحترام. وتبقى حريّة المعتقد بعد هذا مسألة دستوريّة لها ضوابط ينبغي أن يتعاطى معها البرلمان، فليس من حريّة العقيدة استحداث معتقد جديد في الإسلام ينكر أساساته التي يُجمع عليها المسلمون، وليس من حرية المعتقد أن يفرّق بين المسلمين باعتبار أنّ بعضهم أكثر مشايعة لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام وابنه الحسين؟ أمّا الخلافات في الفروع الفقهيّة فمن سجايا الإسلام ومن علامات التحضّر عند المسلمين. ولا يجوز لفرد أو لجماعة داخل مصر كائناً من كان أن يتميّز بتدينه على الجماعة العامّة أو أن يهينها في تدينها، والتميّز في الدين لا يكون إلا بالعلم، فمن علم حجّة على من لم يعلم، وميدان هذا الأزهر الشريف والفيصل فيه المحكمة العليا. وليس لأحد أن يتصدّر لبيان التحريم أو الإباحة من دون سند، وعلى من يملك السند أن لا يشهره على العامّة، وليس هناك محلّ لإظهار السندات الدينية إلا الأزهر الشريف وجامعة الشريعة، وليس هناك مرجع تعرف منه الأحكام الفروعية سوى الأزهر، أمّا الأحكام العقديّة عند المسلمين فممّا ابتَدَع التوسّعَ في الكلام فيها جماعات من المبتدعة الذين يجب زجرهم بغاية الحسم، وتعتبر معاقرة الحديث في علم الكلام وفي الأسماء والصفات وغيرها ممّا يعاقره المبتدعة خارج الحوزة العلميّة جريمة تهدد السلم العام.

يحقّ لكل أحد أن يذهب إلى الأزهر وأن يناقش ما يعتمل بصدره من الأدلة الفرعية وغيرها وينبغي تكليف لجان من كبار العلماء تعمل على الالتقاء بهؤلاء النّاس ومناقشتهم على أن تثبت المناظرات العلميّة بمحاضرها وعلى المحكمة العليا البت فيها إذا وقع نزاع بأن خالف فرد يدّعي العلم الجماعة الأزهريّة أو ثبت تعنّت لجنة المناقشة معه وعدولها عن الصواب بحقّه.

دور العبادة:

لكلّ حيّ من الأحياء (بحسب ما يتم تحديده) مسجد جامع واحد وله كنيسة كبيرة واحدة شريطة ألا يقلّ عدد الأسر المسيحية فيه عن ألف أسرة. فإن قلّ العدد عن الألف سمح بإنشاء دور عبادة فرعيّة تضبط بالخمسمائة أسرة مثلاً (للمسجد الفرعي والكنيسة الفرعية على السواء). ولا تقام الجمعة ولا المناسبات الدينية الكبرى إلا في المساجد والكنائس الجامعة، ولا يقام في الفروع إلا الصلوات، وللدولة أن تستغل المباني الفرعية على النحو الذي يحفظ كرامتها، كأن تستغلّ أسطحها أو الحديقة الملحقة بها. ويلزم على الدولة إنشاء الكنيسة الكبرى أو المسجد الجامع في الحيّ إذا لم يستطع أهله إقامته، ويحال أبناء الحيّ من الأقليات الدينية إلى الأحياء المجاورة طالما لم يكن لديهم محل عبادة جامع تقام فيه الاحتفالات الدينية. وإذا خلا حيّ من كنيسة جامعة وجب ترك مبنى فرعي خالص للطائفة لا تستغله الدولة.

ولا يجوز تعدد الجُمَع بالنسبة للمسلمين في المِصْر الواحد (الحيّ الواحد)، ولا يجوز الفصل في المسجد الجامع بين أماكن النساء والرجال، إلا ما كان معروفاً من فعل الصحابة حال الصلاة فقط من وقوف النساء خلف الرجال. وتعتبر رحاب المسجد الجامع حرماً لكلّ أحد ولا يجوز غلقه بحال، وعلى الجامع الأزهر أن يشرف عليه. وعلى الدولة أن تستغلّ الساحات الكبرى للمساجد الجامعة ودور المناسبات الملحقة به لإقامة الندوات التثقيفية وحفلات الإنشاد الديني والاستماع للقرآن الكريم وإقامة سرادقات العزاء بشكل جماعي سعياً للتقريب الاجتماعي بين الناس، ولا يمنع أصحاب الديانات الأخرى من استغلال ساحة المسجد الجامع وقاعاته في كل مناسبة ما خلا الدينية إلا بإذن من جمهور المسجد الجامع.

المناسبات الدينية:

تلتزم الدولة بإحياء المناسبات الدينية الكبرى في سائر أنحاء البلاد، ويلزمها الاحتفال بميلاد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام باعتباره العيد الأكبر للطائفة المسيحية، وعليها مراعاة اختلاف الطوائف المسيحية فيه. وقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم احتفل بيوم عاشوراء وقد كان عيداً عند اليهود، ويلزم اعتباره إذا وجد في الدولة يهود، وتسير عليهم ذات قوانين دور العبادة.

الأوقاف

الأوقاف ملكيّة عامّة يحترم فيها شرط الواقف ولا يلتزم به حرفاً، ولئن نُقِل الإجماع على ضرورة تنفيذ شرط الواقف فإنّ المعلوم ضرورة أنّه كان إجماعاً مسبّباً بظلم الدولة، وكلّ حكم زال سببه زال أثره، فلا التزام بشرط الواقف في دولة مؤسسات قانونية.

تلتزم الدولة بسلطتيها الرقابية والتنفيذية بمراقبة أموال الأوقاف وعلى البرلمان تحديد النسبة التي تتحصّل عليها الحكومة منها للإنفاق منها على وجوه النفع العام، كما عليه القيام بمراقبة جميع التصرفات المالية التي تقوم بها المؤسسات الدينية من نسبة ما تتحصّل عليه من هذه الأوقاف ومن غيرها. وإذا كان ثمّة استثمار لهذه الأوقاف فتشرف عليه هيئة مستقلة تخضع لرقابة البرلمان.

التمثيل الطائفي:

لا يكون لدور العبادة أي تمثيل سياسي باسم الطائفة الدينية التي يديرون شئونها الدينية أو الروحيّة. ويلجأ المواطنون للمؤسسات الدستوريّة للتعبير عن مطالبهم، ومن يخالف ذلك تحت أيّة دعاية يعرّض للعقوبة.

المدارس العامّة والدينية:

لا يسمح بإقامة مدارس إسلامية أو مسيحية، وتدرّس في المدارس العامّة جميع الدراسات العربيّة والإسلاميّة (غير المتعلقة بالاعتقاد) فتدرّس الشريعة، واللغة العربية والقرآن الكريم، وأصول الفقه، والتفسير والحديث، والفلسفة؛ لأنّها بالجملة ليست علوماً دينية، وإنّما هي علوم حضاريّة، ويدرس الطلاب أشياء من تاريخ الأديان ومن نصوص الكتب المقدّسة بما يؤكّد وحدة دين الله، ووحدة طريق المرسلين، ويدرس سماحة التعايش الحضاري العربي ما بين أصحاب الأديان المختلفة وكيف أنّ هذا من بدائع الحضارة الإسلاميّة التي ينتسب إليها مسلماً كان أو غير مسلم. ويدرس ما يرسخ في ذهنه دور الأقليات الدينية في إنشاء هذه الحضارة، وما يرسخ لديه احترام هذه الأقليات إن كان مسلماً، والطمأنينة لجوار المسلمين إن كان مسيحياًَ، ويبتعد في مناهج الدراسة العامّة عن كلّ ما من شأنه دراسة العقائد الخاصّة، واللاهوتيّة ومقارنة الأديان إلا في مراحل الدراسة الجامعيّة. وتقوم بتعويضه المؤسسات الدينية كلّ في مكانه، على أن يكون هذا بمراقبة من الدولة (مجلس الشيوخ) بما يسمح بكفالة احترام الغير، وتربية الأجيال على قبول التعددية الطبيعية.

الأزهر الشريف:

تتشكّل الهياكل الأساسيّة ومناهج العمل والدراسة والترقية والانتخاب للجامع الأزهر زاده الله تشريفاً وفق قانون أساسي تضعه جمعيّة تأسيسيّة تضمن كلّ من شاع صيته باعتباره من أئمّة المسلمين تدعوهم الحكومة المصريّة للحضور في جناب الأزهر لوضع القانون الأساسي له ولا يستثنى من ذلك علماء الجعفريّة والزيدية ويعتبر حضورهم موافقة صريحة منهم على رفض المسلمين لأن يعلن واحد منهم تميزه بمشايعة أمير المؤمنين عليّ وولده الحسين عليهما السلام دون سائر المسلمين، كما يعتبر اعتداداً بشرف الصحبة لكلّ الأصحاب عليهم السلام واعتداداً بجهود علماء الحديث رضوان الله تعالى عليهم. كما يعتبر حضور من حضر إقراراً بالمنهج المصري الأزهري الوسطي في دراسة العلوم الإسلامية وإقراراً بانتهاء فكرة تقسيم العالم لدار حرب ودار سلام، واعتبار المعمورة كلّها دار سلام لا تلجأ الدول فيه إلى الحرب إلا دفاعاً عن نفسها، أو نصرة للمظلومين والمستضعفين على أساس من نظام حلف الفضول الدولي [سيأتي في القسم الثالث] ويعتبر هذا ميثاق شرف دائم للأزهر الشريف.

تضع الهيئةُ القانونَ التأسيسي للجامع الأزهر الشريف بمعاونة الهيئة القضائية المصريّة، وبرعاية مجلس الشيوخ.

لا ترتبط الهيئة في تصرّفاتها بأيّة قيود وعليها أن تضع نظاماً عالميّاً بحيث يسمح بأن تخضع له كافّة الجامعات الإسلامية والمساجد الجامعة والفرعيّة وتتحدد به الاحتفالات الدينية ومطالع الشهور العربيّة والإجماعات الفقهيّة ومناهج الدراسة الشرعيّة.

تضطلع هيئة كبار العلماء المنتخبة بالتعاون مع كلّ أحد لحفظ السلام الدولي والتقريب بين البشر على اختلاف دياناتهم. والتقريب بين أصحاب الديانات وغير الدينيين، وبالجملة أن تحمل على عاتقها مهمّة الأمن والسلم الدوليين وتحقيق التعارف والتعاون ما بين الشعوب وبعضها.

بما أنّ الدول تعتبر من الناحية القانونية ذات شخصيّة قانونيّة يتمّ التعامل معها أمام القانون كما لو كانت أحد الأفراد المخاطبين به، فيمكن بالتالي اعتبارها من حيث إقامة الإسلام، "شخصيّة إسلاميّة" ويكون هذا هو الضابط الرئيس لهيئة كبار العلماء في الأزهر في التصريح بحلّ شيء ممّا تتعاطاه الدول أو حرمته، بمعنى أنّه طالما كان للفرد المسلم الحقّ في أن يختار من فتاوى الفقهاء ما يشاء، وليس من حقّ أحد إلزامه برأي محدّد أو بمذهب معيّن، فمن الحقّ الدول أيضاً أن تفعل نفس الشيء. وعليه فلا يحقّ لهيئة كبار العلماء الإعلان عن اعتراضها على قانون أو تصرّف سياسيّ معيّن من أيّة حكومة إلا إذا ثبت لديها بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّه ليس بقول أحد، وأنّه غير مرضيّ عنه في الشريعة بإطلاق، على أن لا يكون لاعتراضها أدنى أثر قانوني إلا من خلال المؤسستين القضائيّة أو النيابيّة، وعلى المؤسستين أن تأخذا بعين الاعتبار هذا الضابط في مقاضاتهما الدستوريّة للحكومة.

ينبغي للحكومة المصريّة مساندة الأزهر الشريف في إدارة الشأن الديني المسلم في كافّة أرجاء المعمورة، وعليها أن تسهّل له مهامّه في هذا الشأن. وعلى الدبلوماسيّة المصريّة أن تسعى بالتعاون مع سائر حكومات العالم للاعتراف بسلطة الأزهر الروحية على المسلمين داخل الأوطان الإسلامية وخارجها. وتعطى هيئة كبار علماء الأزهر الشريف أيا تكن جنسيتهم جوازات سفر مصريّة دبلوماسية خاصّة يظهر عليها كونهم تابعين لجناب الأزهر الشريف وتسعى الحكومة المصريّة بالتعاون مع سائر الدول لإعطاء الأزهر الشريف صفة مراقب في كافّة التجمعات الدوليّة تمهيداً للبت في انفصاله كدولة على غرار "الفاتيكان".

جامعة  الشريعة:

تدرس الحقوق في مصر في جامعة واحدة هي جامعة الشريعة، وهي تقوم بدراسة العلوم العربيّة والإسلاميّة كلّها دراسة وافية وتدرس القرآن الكريم وآيات الأحكام والحديث الشريف وأصول الشريعة الإسلامية (فقهاً وأصولاً ومقارنة مذاهب) وتدرس اللغتين الإنجليزية والفرنسيّة، وأصول الشريعتين الرومانية والأنجلوسكسونية، وأصول الشرائع القديمة كلّها، وتدرس تطوّر القوانين، وأصول القضاء المسلم وغير المسلم وتطوره، وتسعى إلى تطوير الشريعة الإسلاميّة والقضاء الإسلامي وإعادة الاجتهاد الفقهي إن على صعيد دراسة أصول الفقه أو دراسة الفروع الفقهيّة.

يسمح لكل من أراد الدراسة في هذه الجامعة أن يقوم بالدراسة فيها دون النظر لديانته. وهي تمنح درجتها حسب قواعد الإجازة الإسلاميّة المعروفة مع تطويرها بكلّ ما هو مناسب. ويقوم على رعايتها الأزهر الشريف بالأصالة بالتعاون مع كلّ من مجلس الشيوخ والهيئة القضائيّة ويكون فيها قسم لتخريج دفعات من الشرطة القضائيّة. كما أنّ عليها أن تدرس بتوسّع تامّ قسم القانون الدستوري ملحقة به قسماً للعلوم السياسيّة. وتتحدد سنوات الدراسة ونظامها واختبارات القبول وفق ما تراه هيئة كبار العلماء العالميّة للأزهر الشريف –على ما سيأتي-.

تسعى الجهات القائمة على هذه الجامعة لنشر الدراسة بها في مختلف بلدان العالم وتعمد إلى استقطاب الطلاب من كلّ الجنسيات وعلى الدولة والأزهر الشريف أن يوفرا مدينة كبيرة لخدمة هذه البعوث بحيث تنتشر دراسة علوم الشريعة ويتوسّع في تطبيقها على المستوى الدولي دون النظر لمسألة الديانة ولا الارتباط بها فالشريعة الإسلاميّة شريعة مدنيّة أنتجتها قرائح العلماء المسلمين تأسيساً على أصول قرآنيّة وحديثيّة تطبيقية ونظريّة، وهذا كلّه تراث إنسانيّ عام لا ينبغي للمسلمين احتكاره، ولا يجوز للعاقلين في العالم إهداره.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رؤى التيار البديل | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر