رحيل المؤرخ الكبير رؤوف عباس
كتبهاالتيار البديل ، في 28 يونيو 2008 الساعة: 10:44 ص
رؤوف عباس
الرجل الجبل
د.ايمان يحي 
أن تفقد صديقاً وهو في أوج عطائه، مصيبة كبرى. وأن يكون ذلك الصديق هو المؤرخ العربي، القومي، الدكتور رؤوف عباس، ساعتها تصبح خسارة الوطن فادحة يصعب تعويضها. يرقد الآن ‘’رؤوف’’ في غرفة الإنعاش ليخوض معركته الأخيرة، وهو الذي قضى كل حياته في خوض المعارك. لم يكن يرضى سوى بالانتصار فيها كلها، وها هو يصمد حتى النهاية في معركة غير متكافئة مع المرض اللعين.
هو بتكوينه الجسدي، أشبه بالجبل. صدر عريض، قامة طويلة، ووجه تعلوه قسمات جادة صارمة، من فرط صرامتها تحسبه جهماً، لكن سرعان ما تفسح الصرامة مكانها لابتسامة عذبة راضية تحوي نفساً سمحة وإنسانية بلا حدود. أطلق عليه أصدقاؤه وتلاميذه ومريدوه وصفاً، أصبح لصيقاً به.. ‘’الرجل الجبل’’. هو أيضاً بتكوينه النفسي أقرب إلى الجبال في الرسوخ والشمم. صامد، صلب، لا يلين. يضرب باستقامته العلمية والخلقية الأمثال.
في سيرته الذاتية التي صدرت تحت عنوان ‘’مشيناها خطى’’ الصادرة عن دار الهلال المصرية في خمس طبعات جاوزت عدد نسخها المباعة العشرين ألفاً، خاض معركة بل معارك متعددة ضد الفساد الجامعي والتدخل الإداري والأمني والتضييق على الحريات الأكاديمية في الجامعات المصرية. كانت أخطر معاركه، فضل أن يذكر ويشير إلى المفسدين بكامل أسمائهم. رفض أن يشير بالأحرف الأولى إليهم أو بصفاتهم. كانت سيرته شهادة تاريخية موثقة من مؤرخ مرموق على ‘’وطن’’ يترنح من ويلات الاستبداد والفساد. تسبب الكتاب في قضايا عديدة، نظرت أمام المحاكم، لكن المؤرخ خرج منها جميعها منتصراً وسط دهشة الوسط الثقافي والسياسي. ألم أقل لكم إنه ‘’الرجل الجبل’’.
كانت أولى معاركه مع الفقر، فقد ولد لأسرة متواضعة. كان استمراره في مسيرة التعليم يحتاج إلى أكثر من معجزة. ولولا مجانية التعليم الجامعي التي كفلها عبدالناصر، لكان رؤوف عباس موظفاً بائساً في إحدى المصالح الحكومية اليوم. يحكي رؤوف عباس عن انتمائه الجامعي وكفاحه من اجل الحصول على العلم بكل صراحة وشفافية.
تستمر معاركه، ولعل أكثرها امتداداً، هو شقه لمجرى جديد في التاريخ العربي والمصري. إنها مدرسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. أغلب المؤرخين في عالمنا العربي يكتبون ‘’التاريخ’’ عبر ‘’حروف العطف’’، وكأنه حكايات مسلية. كان رؤوف عباس أبرز ‘’القلة’’ التي كتبت ‘’التاريخ’’ عبر منهج تحليلي يعنى بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، ويستكشف العوامل المحركة وراء أحداثه. كانت نظراته ودراساته وتأملاته في قضايا تاريخنا المعاصر بمثابة انعطافات مؤثرة في وعي مثقفينا بتاريخهم. هو صاحب أهم وأول دراسة عن ‘’الحركة العمالية المصرية’’، أما دراسته عن الملكية الزراعية في مصر فقد كانت حجر أساس لدراسات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للريف المصري. رؤيته لفشل التراكم الرأسمالي في العصر المملوكي المتأخر وحول دور اليهود في الحركة الشيوعية المصرية وأبحاثه حول منهج البحث التاريخي سوف تظل علامة بارزة لكل دارسي تاريخ مصر المعاصر.
لم يكتف ‘’الرجل الجبل’’ بدراساته، بل اقترب من نبض مجتمعه. مزجت مقالاته في الصحافة السيارة ما بين السياسة وعِبَر التاريخ، فجاءت لتشتبك مع واقع مأزوم. كانت دعوته للجبهة الوطنية من كافة القوى السياسية الحية لإسقاط الاستبداد وبدء مشروع وطني جديد، وهي ما يصبو إليه دائماً في حديثه إلى الرأي العام. لم ينخرط في صباه وشبابه في أي تنظيم سياسي، لكنه في كهولته انضم إلى حركة ‘’كفاية’’ ليعبر عن ضمير أمة تصبو إلى التغيير والانعتاق.
يفهم ‘’اليسار’’ وينتمي إليه بلا ضجيج. منحاز بعمله وطبيعته إلى الفقراء والكادحين. لا ينفصل سلوكه العملي عن كتاباته النظرية. يبتعد دائماً عن ‘’الطنطنة’’ والشعارات الزاعقة والمظهرية. كانت كل كتاباته وكتبه ودراساته زاداً لكل مناضلي اليسار في مصر لفهم مجتمعهم. كل ذلك دون أن ينتمي الرجل إلى تنظيم يساري أو شيوعي، فقد اكتشف من البداية أن ذلك سوف يعوق تكوين رؤيته الموضوعية والعلمية لتاريخ مصر.
كانت معركته من أجل الحفاظ على الجمعية المصرية للدراسات التاريخية من أشرس معاركه التي خاضها. وسط تجاهل حكومي بليد ومجتمع مدني عاجز كادت الجمعية العريقة أن يلقى بها على الشارع. استطاع الرجل وسط الأعاصير والضغوط التي حاولت أن تنال من هيبة مدرسة التاريخ المصرية أن يقيم للجمعية مقراً من أربعة أدوار ملكاً لها. يحتوي على قاعات للمؤتمرات ومكتبة نفيسة نادرة عامرة بالمراجع. رؤوف عباس هو أحد البنائين القلائل في وطننا العربي. استطاع أن يقيم مؤسسة لدراسة التاريخ العربي والمصري، بعد أن أقام ‘’مدرسة تاريخية’’ مؤثرة في ثقافتنا المعاصرة.
يعتمد الكثير بل المئات من تلاميذه ومريدوه على وجوده في توازنهم النفسي. يستمدون منه الصلابة والصمود أمام مغريات الفساد وعواصف الاستبداد والقهر. لم يحن المرض قامته. رفض ‘’الرجل الجبل’’ عروضاً كريمة لعلاجه بالخارج على نفقة شيخ خليجي كريم. قالها رغم إلحاح زملائه وأصدقائه. ‘’لن أُعَالج على حساب أحد في الداخل أو الخارج’’. لم يستجد منحة حكومية في بلد لا يقدر أبناؤه حق قدرهم، وتلقى علاجه في مستشفى يتبع جامعته كأي عضو هيئة تدريس فيها.
حتى في معركته الأخيرة، التي كان يعرفها بكل تفاصيلها. يعرف أنها معركة غير متكافئة. قرر أن يخوضها واقفاً، رافعاً رأسه بكل إباء وشمم. ألم أقل لكم أنه ‘’الرجل الجبل’’.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج

























